المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العمل السياسى والمقومات الاخلاقية الازمه .


العندليب الاسمر
16-Sep-2007, 01:00 AM
العمل السياسي والمقومات الأخلاقية اللازمة :

مما لا شك فيه إن حب الذات غريزة لدى كل إنسان وأن اختلفت حدته من شخص لآخر تأثراً بعوامل مختلفة منها المبادئ التي يعتنقها الإنسان والنشأة الأسرية والسلامة النفسية ومدى يقظة الضمير وحمل هموم الآخرين والقدرة على التجرد عن محورية الأنا ... ولا جدال في أن مقدارا من حب الذات وكره إهانتها هو لزام للدفاع عن النفس وحقوقها وحمايتها من الاعتداء وهضم الاستحقاقات، قال تعالى "إن النفس لإمارة بالسوء"، ولكن ما يستنكر هو المغالاة بدرجة مرضية بحيث يصبح هم الإنسان هو نفسه وميوله وطموحاته ومصالحه الشخصية يلهث وراءها وإن كانت على حساب مصالح الآخرين.

قال تعالى في محكم كتابه العزيز "إن النفس لإمارة بالسوء"،وبالتالي ترك العنان لأهواء النفس وبالتالي الدخول في عبوديتها والانجرار خلف طموحاتها وشهواتها لهو من الأخطاء التي قد تغيب عنا غالباً, وكثيراً ما نعلل أخطائنا ونسوق لها التبريرات المختلفة والتي ما هي إلا محاولات لإخفاء صوت الحق والضمير بداخلنا ... والأدهى من ذلك هو أن الإنسان يفقد البصيرة ويتخبط في خطواته لهثاً وراء طموحات دنيوية زائلة, وفي هذا الخضم تصبح الوسائل كلها مبررة، والغاية تصبح تبرر الوسيلة، فلا يتورع فيها المرء عن استخدام الأساليب الملتوية والضحك على الذقون بل وأحياناً إطلاق شعارات زائفة كالتكليف والمسئولية أو المصلحة العامة .. وينزلق الإنسان في هذا السبيل إلى منزلقات الرذيلة كالكذب والغش والخداع ... كل ذلك والنفس الإمارة تسول له بأن ما يفعله هو الصواب وضمن الاستحقاقات وبأنه أحق من الآخرين في حصد أي مكسب ومغنم وبذلك يتحول إلى وحش يسحق من يقف في طريقه أو ينافسه في غنيمته.

وان كان مجال الحديث هنا عن ميدان العمل السياسي ومقومات الشخصية السياسية الناجحة, فلا البدء التنويه إلى أن المتعارف بين الناس عموماً من كون السياسة ميداناً خاصاً بالحكم والهيمنة والتسلط على رقاب الناس، وآليات عملها هي القوة والعنف والإقصاء, بينما حقيقة الأمر غير ذلك، إذ أن ميدان السياسة ومواضيعها هي حياة الناس وإدارة المجتمع واحتواء الخلافات بقصد تحقيق الاستقرار والرفاهية في كافة المجالات التي ينشدها الإنسان على مختلف الأصعدة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلمية, وهذا يستلزم أن تكون آلية العمل السياسي هي محبة الشخص السياسي لأخيه الإنسان وخدمته له كائناً من كان وتفانيه في سبيل مصالح العامة ومصالح الآخرين رغبة في البناء وليس الهدم، ناهيك عن كون العمل بهذه الآليات يتطلب أن تتوفر في السياسي مقومات مسلكية عالية تشكل قوام شخصيته وتتجلي في الخلق الرفيع والتسامي في السلوك وسعة الصدر والأمانة ومراجعة النفس والبعد عن محورية الأنا والذوبان في وعاء "نحن".

ولنا في خاتم المرسلين والسياسي الفذ رسولنا الأكرم (ص) خير أسوة، فقد امتلك المقومات الأخلاقية التي مكنته من تأسيس أمة واسعة باقية على مر الدهر، فهو السياسي المحنك الناجح والقائد العسكري الحكيم والأب الرءوف الرحيم, تخلق بأخلاق الدين الإسلامي, دين الفطرة السليمة، ديننا الحنيف الذي يخاطب دائماً النفس الإنسانية ويردعها ويحذرنا من الانجرار وراء شهواتها وأهوائها ويسلحها بأخلاقيات وعبادات تحفظ لها يقظة الضمير والوجدان ويرتقي بها من زقاق الأنا الضيق إلى رحاب نحن الأوسع والأشمل الذي ينمي من إنسانيتها ويسوقها إلى التكامل الإنساني الذي ننشده كبشر أجمعين والذي هو الغاية التي من أجلها خلقنا الله تعالى وهي السعي نحو التكامل.

ولا عجب إنه في خضم البحث عن السياسي الناجح في ميدان العمل السياسي، فإننا نجد العديد ممن تطفل على هذا الميدان عنوة وهو فارغ من المقومات الأخلاقية اللازمة ومعبئا بأجندة عمل خاصة تحقق مآرب شخصية ضيقة على حساب الآخرين, وبذا يتحول الميدان السياسي إلى حلبة صراع آليات عملها هي الكذب وانتهاكات لحقوق الآخرين وتحين الفرص, وبهذا يفرغ العمل السياسي من محتواه الإنساني ويصبح أداة للهدم وليس للبناء .

حلم بكره.........