المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السياسه والفساد.


العندليب الاسمر
16-Sep-2007, 05:27 PM
يظن الكثيرون أن الفساد يقتصر على رشوة موظف صغير أو كبير مقابل تقديم خدمة: رشوة شرطي مقابل الاعفاء من مخالفة، رشوة قاض مقابل اللعب بالدعوى، رشوة جمركي مقابل تهريب، رشوة أي موظف مقابل تسهيل معاملة، الخ.
الفساد هو أكبر وأوسع وأخطر من ذلك بكثير.
كي نعرف الفساد على حقيقته يجب أن نعرف أبعاده السياسية، وهذه الأبعاد ليست وطنية فقط، وإنما هي أيضاً عالمية.


على مستوى العالم هناك ادارات استعمارية وهناك بلدان مستعمرة استعماراً من النوع القديم أو الحديث. ففي حالة الاستعمار من النوع القديم، هناك مشهد الاحتلال. واحتلال بلد يتطلب أولاً قوة عسكرية، وهذه متوفرة عموماً، فترسانات الأسلحة اليوم تكفي لتدمير الكرة الأرضية مرات عديدة، ولا تؤلف أي مشكلة بالنسبة للإدارات الاستعمارية. المشكلة تأتي بعد دخول القوات الاستعمارية إلى البلد الضحية. لن نتكلم هنا لا عن الهمجية، ولا عن النهب، ولا عن سفك الدماء. كل ذلك تستطيع الإدارة الاستعمارية ممارسته بدم بارد، وسواء أدانه المرء أم لا، فإنه ليس هو بذاته الهدف الاستعماري. الهدف ليس عسكرياً، وإنما هو اقتصادي- سياسي، ولتحقيقه تحتاج الادارة الاستعمارية معاونين: معاونين من نوع الجواسيس، ومعاونين من نوع الموظفين العامين والإداريين، وهؤلاء يجندهم الاستعمار من أبناء البلد المحتل. وقد يحتاج الاستعمار المعاونين على أنواعهم قبل العملية العسكرية، أي قبل الاحتلال، ولتسهيل ذلك.


الفساد في البلد المحتل، أو في البلد الواقع تحت الاستعمار الحديث، يبدأ من الأعلى، حيث هذا الأعلى يرتشي من الاستعمار بالحكم ومنافعه مقابل وكالته للمصالح الاستعمارية. طبعاً المعاونون للاستعمار غير الحاكمين، قبل الاحتلال وبعده، أو في فترة الاستعمار الحديث هم عصابة أو عصابات فساد. بصرف النظر عن هؤلاء، فإن الأعلى الفاسد لا يكون وحده، وإنما يحتاج معاونين على مستويات مختلفة، على مستوى المناصب العليا، وعلى المستويات الشعبية.


لاريب أن للايديولوجيات دوراً، فالأعلى لن يقول، إنه وكيل للاستعمار في بلده، وإنه يحرس مصالحه، وإنما يرفع ورقة إيديولوجية قد لاتكون له علاقة بمضامينها، أي قد تكون موحى بها من المخابرات الاستعمارية، وقد تكون من وضع الأجهزة المحلية التابعة للأعلى، وموافق عليها من قبل الاستعمار، وفي كل الحالات تلتقي الأمور مع بعضها.


علاقة الأعلى بالورقة الايديولوجية هي علاقة ماكيافيلية، (أي تقوم على الكذب) أيا كانت، وهي عموماً إما وطنية، أو حتى عنصرية، أو دينية، أو مزيج ملتصق أو متناسب فيما بين عناصره، مضاف إليه اعلانات راهنة مثل الاصلاح، محاربة الفساد، محاربة الانفصال، محاربة الأعداء، بل محاربة الاستعمار (؟). وقد تكون العلاقة بالورقة الايديولوجية مؤقتة تتحول من إعلان إلى إعلان: اليوم مع، وغداً ضد.


ومهما كان نوع العلاقة، فإن الورقة الايديولوجية تؤلف عنواناً عريضاً لكل الأدبيات السياسية الصادرة عن أجهزة البلد؛ بل ولكل الأدبيات السياسية الصادرة عن المعارضة غير النوعية، أي المعارضة التي لا تختلف مع الأعلى حول الورقة الايديولوجية بالذات، وإنما تختلف معه بـ «الاخلاص»، فهي التي تصلح، لا هو، وهي التي تحارب الفساد وغيره، لا هو.


ومن نافل القول، أن مثل هذه المعارضة، لو تتسلم السلطة ترتكب نفس الكذب، ونفس الفساد المتعدد الجوانب.


والورقة الايديولوجية هي التي تلتف حولها مختلف الأجهزة من الأعلى إلى الأدنى، تلتف حولها الوزارة، واداراتها المختلفة، وتلتف حولها ادارات المناطق في مختلف التقسيمات الادارية من عمدة القرية إلى أعلى المستويات في التقسيم الاداري. ويلتف حولها في نفس الوقت، نفس الكذب، فعلاقة مختلف الأجهزة والادارات بالورقة الايديولوجية،هي فقط بمقدار ما يحافظ المرء به على دوره في السلسلة الوظيفية. بل كثيراً ما يظن المرء أن مرتبته تعلو إذا ازدادت حماسته الايديولوجية، ويكتشف، أنه بذلك يتعرض للعقوبة، أو لتخفيض المرتبة، أو للاعفاء من المهمة، أو لكل ذلك أو بعضه معاً.


«الشاطرون»هم الذين يعرفون التكلم باللغة السرية للنظام، حتى ولو كانوا من الأغبياء، أو من المرتكبين، اللص والمرتكب قد تعلو مرتبته إلى مرتبة إدارية كبيرة، ولا يهم أن تكون ارتكاباته مفضوحة.


من جهة أخرى، الأعلى يحتاج حشداً من المعاونين عل مختلف المستويات الادارية. وكل واحد من هؤلاء علاقته بالورقة الايديولوجية للنظام هشة، بل يجب أن تكون هشة لكي يقع الاختيار عليه وفي هذه الحالة، فإنه لا يرتبط بالنظام بأي خيط سوى خيط المنفعة، فيستخدم صلاحياته في الاختلاس، وفي الرشوة، وفي تنفيع أبناء العائلة nepotism، أو أبناء العشيرة أو الطائفة أو البلد sectionalism، أو في التنفيع بالأجرة. ومن هنا تتشكل سلسلة فساد حلقاتها متصلة ببعضها. وهذه السلسة تبقى مع تغيير الاأشخاص في حالة انتصار المعارضة غير النوعية. والأعلى لا يستطيع أن يحطم هذه السلسلة، حتى لو أراد، لأنه بذلك يدخل في مواجهة مع حشود المنتفعين، وأيضاً مع الاستعمار، الذي هذا الفساد هو لصالحه.


في البلدان المتطورة لا تختلف الصورة كثيراً: الأعلى لا يأتي بالصدفة، وإنما بكونه يمثل مجموعة المصالح الغالبة للشركات الكبرى في بلده، ويوظف صلاحياته في حمايتها وفي إعطائها مختلف المجالات والتسهيلات لتوسيعها، ولجعلها تهيمن أكثر فأكثر على الحياة العامة. أيضاً هنا ثمة عامل دولي في الموضوع، فالمصالح الغالبة للشركات الأمريكية الكبرى تتحكم كثيراً أو قليلاً في الحياة السياسية للبلدان الأخرى ولو كانت متطورة. فهيمنة الإدارة الأمريكية، ليست فقط في العلاقات الدولية، وعلى مستوى المؤسسات الدولية الكبرى: منظمة الأمم المتحدة، ص ن د، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية، الخ.، وإنما أيضاً في الحياة السياسية الداخلية للدول الأخرى، في نجاح هذا الحزب، أو ذاك، وسقوط هذا النظام أو ذاك. الفساد المتسلسل يتشكل نتيجة لذلك. وإذا مابدا أحياناً تناقض داخلي نتيجة فضيحة هنا أو هناك، فليس في ذلك انتصار على الفساد، ولو جزئياً، وإنما يأتي نتيجة صراع بين كتلتين من المصالح للشركات الكبرى، الكتلة الغالبة، والكتلة الأضعف نسبياً، التي تؤلف معارضة غير نوعية.


من هنا يتبين أن محاربة الفساد هي كونية، وتحتاج نضالاً واسعاً وبعيد الأفق.


النضال في البلدان الثالثية، من المفروض أن يكون بالدرجة الأولى ضد الاحتلال، إن وجد، وضد الاستعمار الحديث الموجود حتماً، ويستلزم ذلك التعبئة الشعبية الواسعة، الأمر غير الممكن، إلا بمحاربة العائلية والعشائرية والطائفية والعنصرية بكل تجلياتها الاجتماعية.


والتنظيمات السياسية، التي يكن أن تقوم بذلك في أي بلد، هي فقط التنظيمات العمالية، لا الشكلية، وإنما التي تضم عمالاً واعين مناضلين يعرفون أن ثقل كل سلسلة الفساد يقع عليهم، هي التي تجعلهم فقراء، مهمشين، هم وأولادهم محرومين من أغلب الخدمات، ومنها الخدمات الحيوية (الصحة، التعليم، الثقافة، الخ)، والتي لا تلتف حول ورقة ايديولوجية، وإنما حول فعل: (هي تفعل من أجل كذا وكذا)، والتي أخيراً لا تتسلح فقط بالوعي، وإنما أيضاً بالوسائل المادية التي تجعلها قادرة على الفعل. هي ليست ضد هذا الفرد أو ذاك، ولا ضد هذا الحزب أو ذاك، وإنما ضد الاحتلال، الاستعمار، الخ. تحالفاتها وتناقضاتها موضوعية، لا شخصية. وكي يكون الأمر كذلك، لابد أن يكون نظامها الداخلي متيناً، وهذا يقتضي الاحترام المتبادل بين الأعلى والأدنى، والعلاقة الندية بين الجميع والديمقراطية في تحديد المسؤوليات.


أيضاً مثل هذه التنظيمات لا يمكن أن تعيش في جزر منفصلة، وإنما يجب أن تتضامن، وأن تتعاون على مستوى عالمي.


هذا في أيامنا الحالية التي يسيطر فيها الفساد صعب، ويحتاج تطور المجتمعات الإنسانية، ولكنه يحتاج أيضاً تكون النوى الفاعلة من أجل هذا التطور، لأن التطور العشوائي، والتطور الذي يسيطر عليه الفساد يؤدي دوماً إلى الأسوأ. إذا بقي الفساد مهيمناً فنهاية الإنسانية إلى الدمار، ولكن لا نعتقد أن الإنسانية ترضى لنفسها بمثل ذلك المصير.


الإنسان الذي انتقل من المرحلة الحيوانية إل المرحلة العالية التطور في الحضارة لن يقبل الفناء، وفي ذلك يكمن التفاؤل الإنساني بالمستقبل