المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : امريكا واستراتيجية ادارة التوتر فى العالم !!!!!!


العندليب الاسمر
22-Sep-2007, 03:29 AM
بقلم :جودت العاني (كاتب كبير جدا)

ثمة اكثر من سبب يدعو إلي الاعتقاد بان السياسة الأمريكية تعيش في أزمة وضعت نفسها فيها بفعل عناصر صهيونية اجمع الكثير علي ان هذه العناصر تدفع الإدارة الأمريكية نحو سياسات ليست في مصلحة المجتمع الامريكي الذي يعاني من التضليل الصهيوني، الامر الذي يؤكد ان هذه السياسة متأزمة وازمتها تمتد الي منحيين احدهما: يؤشر ان انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي ليس كله من صنعها عدا سباق التسلح، فيما كان ضعف المكونات الذاتية في البنية السوفييتية قد مهد الي الانهيار، مما شجع الادارة الامريكية علي الاندفاع اكثر نحو تهديم كل البني والمرتكزات الخاصة بمنظومة الدول الاشتراكية.

فيما تتطلع امريكا نحو تحقيق نجاح او نصر مهما كان حجمه طالما عانت من عقدة الفشل منذ الخمسينيات في (كوريا وفيتنام والصومال وهاييتي وليبيا والسودان والعراق وافغانستان).

والمنحي الاخر: ان الادارة الامريكية تريد ان تكون اممية شمولية تحتوي العالم كله في صيغة اوامر وقرارات يصدرها الكونغرس الامريكي لتطبقها شعوب العالم !!

فهل ان ازمة في السياسة الامريكية ام ان السياسة الامريكية في ازمة، ويبدو الامر وكانه يدور في حلقة مفرغة يصعب تتبع بدايتها ونهايتها ولكن الأمر يتطلب التوقف قليلا لمعرفة عناصر تأزمها او مكوناتها والمقتربات التي تجعل منها منبعا للتأزم وللتصادم مع المحيط الخارجي وكأن كفة الحرب هي القاعدة التي تستند اليها ازمة السياسة الامريكية في تعاطيها السياسي ـ الاستراتيجي علي المسرح السياسي العالمي.

ولكي لا نستبق وضع الأولويات في معني تحليل الأزمة والبحث عن مسبباتها القائمة. يتوجب الوقوف علي عناصر الفشل الامريكي في سلسلة السياسات الامريكية علي امتداد العقود الماضية وحتي العقد الراهن ويكمن احد عناصر الفشل في عدم القدرة علي (اعادة بناء نظم مستقرة بديلة وموالية لها) اثر الحروب الإقليمية التي تشعلها تحت مزاعم ان تلك النظم ديكتاتورية تنعدم فيها الديمقراطية.. كما ان الحرب التي تشعل امريكا فتيلها هي حرب (مباشرة) بين طرفين غير متكافئين تجابه بحرب (غير مباشرة) تفرضها عناصر الموقف الاقليمي وردودها في شكل مقاومة وطنية الامر الذي ينتهي بهذه السياسة المتأزمة إلي حرب خاسرة سياسيا وأخلاقيا فضلا عما تستنزفه مثل هذه الحروب ماديا من دول اوروبية وآسيوية وعربية تضعها امام حالة من التبعية والانحراف نحو سياسة امريكية تعتمد استراتيجية جديدة يسمونها (إدارة التوتر) في اكثر من منطقة، ممايؤدي الي اضعاف تلك الاطراف وعرقلة نموها الاقتصادي وحرمانها من اسواق التعامل الدولية التجارية.

ان مسألة مكافحة الارهاب باعتبارها احد اهم عناصر الاستراتيجية الكونية الامريكية ليست محددة وعناصرها يصعب وضعها في زاوية الحروب النظامية، ومفهوم الارهاب لم يحدد بعد، كما يصعب وضع سقف زمني لتجفيف كما يقال (منابع الارهاب)، والسبب في الاستحالة هو ان معالجة هذه المسألة يتوجب الرجوع الي مسبباتها وليس الي نتائجها ـ فمسببات الارهاب الدولي معروفة للجميع وتتلخص في الاحتلال الاستعماري ـ الاستيطاني، والتجاوز علي حقوق الشعوب في اختيار أنظمتها السياسية ـ الاجتماعية بحرية، واستمرار النهب الاستعماري لثروات الشعوب، الذي ينجم عنه الجوع والمرض والتخلف واليأس الذي يخلف كل هذا الارث الاستعماري استجابة مضادة للدفاع عن الوجود الانساني والهوية الوطنية والقومية، ومقاومة الاستعمار الذي يسمونها بـ (الارهاب)!! وبالرغم من ان الاستعمار لم يعد له وجود عسكري مباشر الا ان مثل هذا الاستعمار نجده علي ارض فلسطين العربية يتمثل باحتلال اسرائيلي جاثم بكل ثقله السياسي والعسكري علي شعب فلسطين منذ عام 1948 رغم قرارات المنظمة الدولية، التي تؤكد حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وترفض محو الهوية القومية للشعب الفلسطيني، وتغيير الحقائق التاريخية التي هي حق من حقوق السيادة الفلسطينية علي ارض فلسطين.. فان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ما يزال يتحدي قرارات المجتمع الدولي والشرعية الدولية، ويرفض الاذعان لمبادئ ميثاق الامم المتحدة والقانون.. ومع ذلك يحظي الكيان الصهيوني بدعم الولايات المتحدة!!

ان اشاعة خيار القوة في السياسة الامريكية بطريقة هستيرية متعجرفة قد تجاوزت الارث العالمي من الاتفاقيات التي توصل اليها المجتمع الدولي لتنظيم علاقاته في مختلف الاصعدة، وممارسة الضغط بفرض خيارات العولمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها علي النمط الامريكي دون الاخذ بنظر الاعتبار المشاعر الوطنية والقومية والدينية لشعوب وحضارات العالم المختلفة التي تعتز بها وتتمسك بجذورها ومرتكزات وجودها ومستقبلها الامر الذي اشاع ردود افعال شملت عددا من الاهداف الامريكية والصهيونية وبطريقة تمثل تحولا نوعيا في الفعل ورد الفعل، فيما باتت المعايير المزدوجة حيال قضايا العالم المختلفة تتناقض مع العدالة والديمقراطية، اسلوب تتبعه الادارات الامريكية المتعاقبة، والذي اسقطها في تناقض فاضح، الامر الذي يشكل ازمة في السياسة الامريكية في تعاملها مع مختلف الملفات الساخنه والقضايا المهمة في مختلف مناطـــق العالم.

فكلما قامت امريكا بشن حروبها الاقليمية كلما فقدت الكثير من امنها، واستقرارها في الداخل واحكمت علي نفسها طوقا من قيود الامن وعلي مجتمعها احكاما تنسف اسس الحرية والديمقراطية التي تتبجح بها، وتزرع الشكوك في التعامل الاجتماعي مع مختلف اقليات الشعوب في القارة الامريكية وهذه ازمة في السياسة الداخلية الامريكية.

ويمكن تلمس الازمة في السياسة الامريكية من خلال جملة من التناقضات ففي الوقت الذي تزعم فيه امريكا انعدام الديمقراطية وحقوق الانسان في العراق، تقصف بطائراتها منازل المواطنين العراقيين، ومزارعهم ومنشآتهم المدنية وترمي طائراتها العسكرية المشاعل الحرارية لتحرق حقول القمح والشعير وهو غذاء الشعب العراقي، كما نشرت (جرذان المزارع، وبيوض الآفات الزراعية، منها بيوض ذباب المواشي والجراد، والعناكب الحمراء التي تقتل وتدمر غابات النخيل).. فهل ان ذلك من دواعي الديمقراطية ؟

تلك هي المفارقات الغريبة التي تمثل قمة التناقضات التي يكشف الفعل العسكري الامريكي عنها، الامر الذي يؤكد ان لا تطابق بين مزاعم أمريكا وأقوالها وتصرفاتها في الساحة الدولية، مما جعل قوي العالم المختلفة تدرك خطورة هذا السلوك وتحاول تجنبه او الاقتراب منه ومقاومته كل بطريقته الخاصة.

ان توجيه ضربات عسكرية صاروخية امريكية الي اهداف في دولة عضو في المنظمة الدولية يخالف القوانين الامريكية والدستور الامريكي. كما يخالف القوانين الدولية، ويعد خرقا للحقوق السيادية التي تقرها مبادئ ميثاق الامم المتحدة.. ومثل هذا السلوك الامريكي الاجرامي قد ارتكب ضد ليبيا والسودان والعراق وعدد من الدول الاخري.

وهو الامر الذي يفضح اهداف الحملة الامريكية الشعواء ضد العراق هو خزين النفط الاستراتيجي الهائل فيه، كما ان من اهداف التحرك الامريكي ضد السودان هو النفط، وكليهما النفط.

ان المشكلات الدولية وملفاتها الساخنة لا تحل الا من قبل اصحابها علي اساس الحوار الثنائي المتبادل، ومن العسير التفكير بان السياسة الامريكية وطريقتها في حل هذه المشكلات سوف يؤدي الي نتائج مرضية للطرفين او الاطراف المتنازعة، انما المؤكد ابقاء المشكلات ( معلقة) ومشروطة بمحددات امريكية ترتبط بمسارها الاستراتيجي في هذه المنطقة او تلك، وهذه سمة اساسية للسياسة التفاوضية الامريكية حيال الكثير من الملفات الساخنة التي لا تترك للاطراف المتصارعة فرصة حلها ثنائيا دون اقحام سياساتها فيها بطريقة لا تراعي الاستقرار والحفاظ علي الامن الاقليمي.. وكلها مزاعم هدفها العبور نحو اهداف استراتيجية متوسطة وبعيدة المدي تحرم خصومها فرص التطور والتقدم والتوحد.

يشاع في وسائل الاعلام المختلفة ان ما يهم الكيان الصهيوني كادعاء سياسي ـ اعلامي، هو ما يسمي بالامن الاسرائيلي.. وتلك مغالطة فاضحة ومكشوفة، لان الكيان الصهيوني عبارة عن (ترسانة نووية) لا احد يهدد امنها من الدول الاقليمية بل علي العكس فان مجلس الامن بقراره 687 ـ الفقرة 14 يدعو الي اخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل بما فيها الكيان الصهيوني، فلماذا اذن المبالغة في موضوعه (الامن الاسرائيل)؟، وماهي المكاسب التي يجنيها الكيان الصهيوني جراء تجنيد عناصره في البيت الابيض واستنفار منظماته في الولايات المتحدة ومنها علي وجه الخصوص منظمة (الايباك) الصهيونية؟

المكاسب واضحة نقدية تقدر سنويا بـ (2.750) مليار دولار اضافة الي الهبات والاسلحة التي يحصل عليها من الادارة الامريكية بدعوي ان كيانه مهدد من الدول العربية، وهذا يذكرنا بادعاء امريكا ان العراق يهدد أمنها القومي، فكما ان الكيان الصهيوني يبتز امريكا فان امريكا تبتز دول العالم المختلفة بنفس المنطق القائم علي ما يسمي الامن القومي ومحاربة الارهاب.

وكلا الادعاءان مفضوحان لان لا احد يهدد امريكا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كما ان الكيان الصهيوني لا احد يهدده فعليا بعد خروج مصر من دائرة الصراع، والعدوان علي العراق وحصاره منذ اكثر من عشر سنوات، اضافة الي ان امتلاك الكيان الصهيوني لاسلحة الدمار الشامل قد اسقط هذه الادعاءات، وتلك مسألة تفوق الاعتبارات او المسببات الاخري التي تلامس ميزان تعادل القوي في المنطقة والذي يميل لصالح هذا الكيان.. فلماذا اذن لا تضع البلدان العربية مجتمعة استراتيجية موحدة لتفنيد تلك الدعاوي والمزاعم علي اقل تقدير ولا نقول استراتيجية دفاعية تعتمد علي اتفاقية الدفاع العربي المشترك رغم اهميتها القصوي في منع العدوان علي أي بلد عربي يتعرض للتهديد.. الم يحن الوقت بعد لهذه الخطوة الجدية.. واذا كان الامر كذلك.. فمتي يكون الامن القومي العربي محط اهتمام البلدان العربية؟ لان الشعب العربي في أي مكان علي الساحة العربية قد سبق الانظمة العربية بشوط بعيد، بهواجس المخاطر التي تحدق بالأقطار العربية منفردة وبالأمة العربية كيانا وحضارة ودينا!!