المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السطح


MoHaMeD
06-Nov-2007, 06:00 AM
منذ أن ارتفعت أسعار تأجير الغرف في العبارة ذلك الارتفاع المضاعف ..
الذي لا تبرره خدمة مضافة ..
وعم (كمال) يكتفي بحجز التذكرة (سطح) ..
ويقول : يا ابني كلها عشر ساعات ونوصل مصر ...
ولا فرق في ذلك أسافر في الصيف أم في الشتاء ..
يلتف بعباءته ويتوسد حقيبته ويترك عينيه تجولان في النجوم ...
أما عقله فقد سبقه إلى قريته القائمة على كتف النيل ..
حيث هو أوسع و أجمل ما يكون ..
هناك حيث تبدأ الحياة في السريان في هذه الأرض ..
عم كمال " ترزي ايديه تتلف بحرير "
منذ أن فقد ساقه أيام حرب الاستنزاف ولم يعلم له حرفة سواها ..
سافر إلى العراق في النصف الثاني من السبعينيات ..
كانت العراق وطنا لنا ..
أرضها العطشى لعرق أبناء النيل ..
لفؤوسهم ..
وأحيانا لدمائهم ..
سافر مع شباب كتير من قريته ..
كل منهم تمتلئ نفسه بآمال وأحلام مهما بلغت بساطتها ...
فهذا يريد أن يبني ( داره ) بالطوب الأحمر ..
وهذا يريد ان يشترى لزوجته ( راديو بروحين ) ..
كانوا يحملون أحلامهم الصغيرة في حقائبهم ...
لم يعلموا أن هذه الحقائب ذات يوم ...
ستمتلئ من آلام الغربة مثلما امتلأت بتلك الأحلام ..
وعاد سريعا من العراق لأنه لم يحتمل الغربة ..
كان دايما يقول ( الغربة تنفع لغيري متنفعليش) ...
رزقه ربنا ثلاث أبناء ..
((مرزوق)) ... ((كنوز)) ... ((غوايش)) ..
كان يتحدى الفقر بأسمائهم ..
لكن الفقر لا تقهره الأسماء ...
غدا تكبر كنوز وتبقى عروسة ..
وبعدها غوايش ..
وهو لم يرث أرضا ...
والخياطة لا تدر له ما يكفي ( علشان يحوِّش لبناته ) ..
وجهاز البنات أهم الأمور في الأرياف ..
لم يجد أمامه إلا السفر ..
وتحمل الغربة مرة أخرى تحمله اليوم لأجل أبنائه ..
أليس من حقهم أن يعيشوا عيشة كريمة ..
كان أنسه في غربته أن يتحدث عنهم ...
فتارة يحدثني عن نباهة مرزوق ... أوخفة دم كنوز .. أولماضة غوايش ..
أو عن سعدية ابنة أخيه وعزمه على أن تكون زوجة ولده ..
كان دايما يلف على المحلات بعد صلاة العشاء بساقه والعكاز ..
يختار الأقمشة التي سيحملها معه لابنته العروس ..
عندما عرفته كانت كنوز قد تزوجت ..
و غوايش تقدم لها ابن الحلال ..
كنت أذهب معه أحيانا للسوق ..
وقف مرة أمام محل لفساتين الزفاف ..
وسألني وكله فرح : ايه رأيك ..
انهو واحد من دول يكون أحلى للبت غوايش ..
انت عارف أنا مبفهمش في الحاجات دي ..
ويظل يصفها لي بكلماته البسيطة واحساسه الرائع لأختار له ..
لم يكن يصفها لي إنما يجد سعادة في كونها معها .. وهو يختار لها ..
في السنوات الأخيرة كانت أحواله قد بدأت تضطرب
فالحياة هناك أصبحت تجمع مع ألم الغربة آلاما كثيرة أخرى ...
آلام صنعتها مقاصد ومشاعر قد يكون لها ما يبررها ..
لكنها ككل المقاصد الشريفة ..
عمياء عن حقوق الضعفاء أمثال عم كمال ...
ومع ذلك تحمل اجتماع هذه الآلام بعضها فوق الآخر ..
ليعود لابنته بما اختاره لها ..
وليرفع رأسها بين أترابها ..
جمع في حقائبه ذكريات سنين العمر اللي ضاعت في الغربة ومرارها ..
وقرر العودة ..
فلم يعد يحتمل ..
كل يوم قضاه هناك أطعمه قطعة من قلبه ..
لم يعد في قلبه شيء يطعمه لتلك الأيام العجاف
التي لا تعرف وفاء لهذا القلب الضعيف ..
أصبح يشعر أنها أيام عاقر لا تلد ...
وكعادته اختار السطح ....
لأنه أوفر ..
وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي لا فرق فيها بين السطح وبين سواه ..

المرأة القطة
06-Nov-2007, 11:13 AM
لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم

شكرا ليك يا برو

اكثر من رائع ربنا يكرمك