المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مظاهر المحق الإلهي للقروض الخارجية " محاولة للرصـد "


أحمد الظرافي
01-Jan-2008, 03:15 PM
مظاهر المحق الإلهي للقروض الخارجية
" محاولة للرصـد " بقلم أحمد الظرافي

إن الدول النامية – ومنها مجموعة الدول الإسلامية – لم تنل من جميع الأموال التي اقترضتها من الخارج – طوال العقود والسنوات السابقة - إلا البوار والوبال والخسران. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على اقتران تلك القروض الربوية بالوعيد والمحق الإلهي ، مصداقا لما جاء في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وهو قوله تعالى:( يا أيها الذين أمنوا أتقو الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين ، فأن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ). وقوله تعالى: " يمحق الله الربا ويربي الصدقات " فهو جل شأنه "يمحق الربا" أي يذهبه من يد صاحبه ويحرمه من بركته – سواء أكان فردا أم مؤسسة أم دولة - فلا ينتفع به بل يعدمه ويكون شؤما عليه في الدنيا و الآخرة. وهو سبحانه وتعالى "يربي الصدقات" أي ينميها ويباركها ويزيد في قدرها وقيمتها ويضاعف ثوابها ويجعلها ذخراً لصاحبها في الدنيا والآخرة ، فالصدقة وأن كانت نقص من المال فهي في حقيقتها بركة ونماء لهذا المال ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فيقول (ما نقص مال من صدقة ). أما الربا وأن كان زيادة من حيث الظاهر إلا أنه قي الواقع محق لهذه الزيادة بل ولأصل المال ذاته0 بما يسلطه الله عليه من الآفات التي تأكل المال ويشمل ذلك مختلف التصرفات الربوية .

وبحثنا هاهنا يدور حول المحق الإلهي للقروض الخارجية، ويمكننا رصد ثلاثة مظاهر أساسية لهذا المحق الإلهي لهذه القروض - وذلك حسب تقييمنا واجتهادنا الشخصي – وهذه المظاهر الثلاثة هي:

المظهر الأول: ويتمثل في ميل أعباء المديونية الخارجية من فوائد و أقساط نحو التصاعد المستمر سنويا وبصورة باهظة وثقيلة الوطأة ، والدور الحاسم الذي تلعبه الفوائد الربوية في هذا الصدد – وذلك رغم كل ما دفعته الدول النامية المدينة من فوائد وأقساط في مقابل تلك القروض على مدى الفترة الماضية – .

المظهر الثاني: ويتمثل في التدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي أقترن بتلك القروض الخارجية – والفشل الذريع في عمليات التنمية بجوانبها المختلفة ، والتي كانت – ولا زالت - الشغل الشاغل للدول النامية المدينة وذريعة للحصول على تلك القروض الخارجية .

المظهر الثالث : ويتمثل في تبديد رأسمال القروض الخارجية ذاتها وكيف سُفح بها يمينا وشمالا وذهبت معظمها لتغطية أوجه إنفاق ترفية وكمالية ومظاهر إنفاق وهمية كذابة لا علاقة لها بالأغراض الأساسية والفعلية التي تم الاقتراض من أجلها .

وسنتناول بالشرح - فيما يلي - هذه المظاهر الثلاثة كلا على حدة، وأترك للقارئ الكريم استنباط ما في هذا الموضوع من دروس وعبر ومواعظ بليغة – وأسأل الله التوفيق والسداد -

المبحث الأول
الربـا وتصاعد أعباء المديونية الخارجية

لقد نمت أعباء القروض الخارجية من فوائد وأقساط نموا سريعا ومفزعا منذ مطلع عقد السبعينيات في القرن الماضي، وتزامن ذلك مع حدث عالمي هز الأسواق المالية الدولية وهو نظام تعويم Floatingسعر صرف الدولار الأمريكي الذي شهده العالم منذ عام 1971 حينما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بوقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب ، وكانت هذه الخطوة المنفردة ضربة لنظام النقد الدولي الذي تأسس في ضوء اتفاقية " بريتون وودز " في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فقد نجمت عنه اضطرابات شديدة في أسواق النقد الدولية ، وفي تعقيد وتأزيم العلاقات بين الدول الدائنة والمدينة ، وهذا قبل سنتين من وقوع الصدمة النفطية في عام 1973 .

المصارف الخاصة كآلية جديدة للإقراض

وكان قد سبق تلك الخطوة من قبل الولايات المتحدة ظهور المصارف التجارية الدولية الخاصة في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي ، وهي المصارف التي تولت عملية إعادة تدوير الأموال الفاحشة والمتراكمة ، التي استحقت للدول المصدرة للنفط – وفي مقدمتها الدول العربية ولاسيما الخليجية منها- بعد الطفرة الأولى في أسعار النفط ، والتي جاءت نتيجة لحرب أكتوبر 1973 ، إذ قامت تلك المصارف الدولية الخاصة ، بإعادة تصدير تلك الأموال للدول النامية الفقيرة على شكل قروض بفوائد باهظة ، وذلك بعد أن عجزت الأسواق الغربية عن استيعاب تلك السيولة النقدية الهائلة ، وتزايد القلق بشأنها في الدوائر الغربية التي توجد فيها تلك المصارف الخاصة ، لعدم وجود منافذ تتجه فيه تلك الفوائض المالية إلى الاستثمارات الإنتاجية، في الأسواق الغربية ، والتي كانت في طور التراجع والانخفاض في تلك الفترة ، بعد تلاشي الفترة الذهبية للتوسع الصناعي التي سادت في الستينيات والخمسينيات من القرن الماضي ، فكان البديل هو تصدير جزء من هذه الفوائض المالية الهائلة على شكل قروض للبلدان النامية الفقيرة . وهكذا شهد العالم في الفترة بين عامي 1973 و 182 تصعيدا مضطردا في التدفقات المالية الدولية من المصارف التجارية الكبرى إلى العالم النامي .

وهذا يقودنا إلى نقطة جوهرية غاية في الأهمية والخطورة وهو أن المصارف الدولية الخاصة لا تصدّر أموالها فقط، وإنما تصدر – وهذا هو الأهم - أموال البلدان المصدرة للنفط. ففي عام 1981 وعندما كان حجم الدين الخارجي للبلدان النامية يبلغ 430مليار دولار ، كان حجم الأصول الأجنبية لبلدان الأوبك المودعة في المراكز المالية الرئيسية ، هو 423 مليار دولار. وفي عام 1995 وعندما كان حجم الديون العربية أكثر من 155 مليار دولار ، كانت الأرصدة العربية في البنوك الخارجية – ياللمفارقة - حوالي 900مليار دولار ، أي ما يعادل تقريبا ستة أضعاف تلك الديون . ويجري في هذا المجال تنسيق وثق بين سياسة الدول الرأسمالية وسياسة المصارف التجارية الخاصة، ذلك أن الدولة هي كفيلة كل القروض المصرفية التي تمنح للدول النامية[1].

ومن هنا – ومع انطلاقة المصارف التجارية الخاصة في ممارسة نشاطها المالي وهو الاتجار في الديون - فقد تفاقمت القروض الخارجية منذ مطلع السبعينيات إلى الثمانينيات من القرن الماضي، كما تفاقمت في المقابل الأعباء السنوية المترتبة عليها وخاصة الفوائد الربوية ، بصورة لم يعرف لها مثيلا من قبل .

ذلك أن المصارف الخاصة التي تصدت لعملية الإقراض الخارجي للدول النامية – بدلا عن الحكومات والمنظمات الدولية – ابتداء من مطلع السبعينيات من القرن الماضي ، هي أساسا مصارف تجارية دولية النشاط ، ووظيفتها الأساسية هي الاتجار في الديون - فضلا كونها آلية نهب استعمارية جديدة لموارد وإمكانيات الدول النامية تتمشى مع تلك المرحلة - ولهذا كان من الطبيعي أن تكون القروض الممنوحة بواسطتها متضمنة أسعار فائدة ربوية مرتفعة أعلى بكثير من أسعار فوائد القروض الحكومية الدولية وأسعار فوائد قروض المنظمات الدولية – مثل البنك الدولي -

والمهم أن تلك المصارف التجارية الخاصة نجحت أيما نجاح في إزاحة الشبح الذي كان ينذر الدول الرأسمالية بكارثة اقتصادية ، وذلك من خلال عملية إعادة تصدير تلك الفوائض المالية الهائلة للدول النامية الفقيرة ، والتي كانت شهية حكوماتها مفتوحة لأقصى حد للحصول على تلك القروض بأي ثمن.

وعندما حل عقد الثمانينيات – من القرن الماضي – استيقظت حكومات الدول النامية – ومنها حكومات مجموعة الدول الإسلامية المدينة – لتجد نفسها غارقة في ديون طائلة تفوق إمكانياتها ومواردها وتهدد وجودها مصيرها ، وذلك رغم كل ما دفعته من مبالغ طائلة طوال السنوات الماضية كفوائد وأقساط على ديونها الخارجية ، وأيضا دون أن يظهر أي أثر إيجابي لكل تلك القروض الخارجية في الواقع المعاش لمجتمعات تلك الدول النامية . فما السر يا ترى وراء تصاعد أعباء ومبالغ تلك المديونية الخارجية رغم المبالغ التي دفعت لسدادها ؟

عوامل تصاعد أعباء المديونية:

الجواب: لا شك إنه الربا فهو مقترن بسوء العاقبة وبالمحق والبوار والخسران المبين ، وهذا ما يؤكده الاقتصاديون ، فهم يرون أن العوامل الرئيسية لتزايد أعباء وأحجام القروض الخارجية تتمثل في أربعة عوامل أساسية:

العامل الأول: ويتمثل في ارتفاع أسعار فوائد القروض الخارجية في الأسواق المالية الدولية- وبصفة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتمد على رأس المال الأجنبي ، في تمويل العجز السنوي الباهظ لموازناتها العامة – وهذا ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع أسعار فوائد القروض المقدمة إلى الدول النامية .

العامل الثاني: ويتمثل في نمو أحجام الديون الخارجية نفسها، فقد استمرت الدول النامية تقترض بمعدل سنوي لا يقل عن 20% منذ مطلع السبعينيات وحتى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن المديونية الخارجية الكبيرة للكثير من بلدان العالم الثالث ، ليست ناجمة فحسب عن متطلباتها الإنمائية المبرّرة ، وإنما ناجمة أيضا عن ضغوط المصارف الدولية لتقديم القروض إليها ، وبخاصة إذا كانت هذه المصارف تتمتع بدرجة كبيرة من السيولة . وتتمثل هذه الضغوط في العديد من الأحيان ، وضمن أمور أخرى ، في لجوء هذه المصارف إلى إفساد بعض الموظفين الكبار في الكثير من بلدان العالم الثالث ، وبخاصة في أمريكا اللاتينية عبر تقديم وظائف لديها في المراكز لهؤلاء الموظفين مقابل إقناع حكوماتهم بالاستقراض من هذه المصارف . كما تنجم المديونية الخارجية لدرجة معتبرة نتيجة الفساد في العديد من بلدان العالم الثالث والمتمثل في إقامة مشاريع فيها وبتمويل خارجي، بهدف جني العمولات أساسا ودون أن يكون لهذه المشاريع جدوى اقتصادية واجتماعية [2]. كما تنجم المديونية الخارجية نتيجة لتزايد أعباء خدمة الدين من فوائد وأقساط وشحة مصادر الدخل اللازمة للوفاء بها . ففي عام 1980 كان نصف القروض يعقد من أجل خدمة ديون قديمة، وفي عام 1985 ارتفعت النسبة إلى الثلثين، لتصبح خدمة الدين بندا ثابتا في السياسة الاقتصادية للبلدان النامية[3].

العامل الثالث: ويتمثل في ارتفاع أسعار صرف الدولار الأمريكي وتقييم هذه الأسعار للدولار بأعلى كثيرا من قيمة الدولار الحقيقية، - وهذا في ظل تدهور أسعار صرف العملات المحلية للدول النامية - فكان الدولار الأمريكي مقوما فوق قيمته الحقيقية بـ 20% في عام 1984. وفي فبراير عام 1985 كان سعر صرف الدولار الأمريكي مقوما بزيادة نحو 50% من مستواه في نهاية عام 1980 – وذلك طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي -

العامل الرابع : ويتمثل في إعادة جدولة الديون الخارجية ، بأسعار فائدة أعلى طمعا في الحصول على قروض ربوية جديدة ، بعد نفاد حصيلة القروض القديمة . وتسبق إعادة جدولة الديون جهود مضنية وجولات متعددة من المفاوضات، بين حكومات الدول النامية المدينة ، وبين الأطراف الخارجية الدائنة ، سواء كانت حكومات أو منظمات دولية أو نوادي عالمية ، ولا تتم هذه العملية إلا بعد إراقة ماء وجوه المسئولين في هذه الحكومات وابتزازها أشنع ابتزاز.

الفائدة الربوية ودورها في تصاعد المديونية الخارجية :

ومن بين تلك العوامل الأربعة السابقة – سوف نكتفي بشرح العامل الأول فقط والمتمثل في ارتفاع أسعار الفوائد الربوية على القروض الخارجية ، فهذا العامل هو العامل الأهم والحاسم في تصاعد أعباء القروض الخارجية والعوامل الثلاثة الأخرى إما إنها مترتبة عليه أو أنها من مضاعفاته – .

وقد أدت تلك العوامل – بدورها - إلى مضاعفة الفوائد الربوية وتراكم الأقساط وبالتالي زيادة حجم الديون على الدول النامية ، فنمت نموا خياليا عاما بعد عام ، وما نجم عن ذلك من زيادة حدة وتعقيد مشكلة التنمية الاقتصادية فيها . وظهر أن هناك ميلا طبيعيا لدى القروض لأن تنمو مع سعر الفائدة الربوية ، بمعنى أن هناك باستمرار دينا جديدا موروثا مساويا لسعر فائدة الدين القديم ، وظهر أن المديونية صارت مديونية طويلة الأجل فعلا .

وقد بدأت أسعار الفائدة في السوق العالمية تتخذ منحى تصاعديا جديدا منذ أوائل السبعينيات ، وقد وصلت أسعار الفائدة الربوية على قروض الدول النامية – في هذه الحقبة - إلى معدلات عالية جدا تجاوزت في بعض الفترات 20% من أصل قيمة القرض – كما حدث في عام 1980 وعام 1981 . وكان ارتفاع سعر الفائدة الربوية حاسما في زيادة خدمة الدين ، فقد أرتفع سعر الفائدة للدولار فيما بين مصارف لندن بين 9.5% في عام 1978 إلى 12.1% في العام التالي، ثم قفز إلى 16.6% في عام 1981 – وإن أخذ في الهبوط إلى 13.3% في عام 1982 – بصورة مؤقتة – ليعاود بعدها عملية الصعود من جديد .

وباستعراض سريع لبعض المؤشرات الكمية يتضخ لنا مدى العبء الثقيل الملقي على كاهل البلدان النامية – ومنها مجموعة الدول الإسلامية – والمتمثل في فوائد وأقساط القروض الربوية الخارجية .

- ففي عام 1974 بلغت أعباء القروض الخارجية ( فوائد + أقساط ) التي دفعتها الدول النامية على قروضها الخارجية مبلغ 4.3 مليار دولار ، مقارنة بمبلغ 3.2 مليار دولار في عام 1973 .

- وفي عام 1975 أصبح هذا الرقم مبلغ 5.5 مليار دولار .

- وفي عام1980 بلغ مجموع مدفوعات البلدان النامية لتسديد ديون ودفع فوائد حوالي 88 مليار دولار .

- وفي العام 1982 وصل هذا المبلغ إلى 131 مليار دولار ، أي أكثر بكثير مما حصلت عليه البلدان النامية من مساعدات وقروض غربية [4]– بمعنى أن هناك تدفق عكسي للموارد من الدول المدينة إلى الدول الدائنة ، وهذه الظاهرة هي نتيجة من نتائج استشراء داء الديون الخارجية في العالم الثالث .

- وفي عام 1984 بلغت الفوائد الربوية التي دفعتها الدول الإسلامية عن قروضها الخارجية حوالي 9.1% مليار دولار في حين كانت مدفوعات الفوائد في عام 1970 تقل عن نصف مليار دولار . وكان نصيب الدول الإسلامية يمثل 22.3% تقريبا من إجمالي الفوائد الربوية التي دفعتها الدول النامية ككل في عام 1984 ، والتي بلغت حوالي حوالي 50مليار دولار على ديونها الخارجية في هذا العام – مع ملاحظة أن هذا الرقم لا يشمل القسط السنوي المدفوع خلال هذا العام لسداد أصل القرض - .

- وفي عام 1985 قفزت خدمة الدين الخارجي ( الفوائد + الأقساط ) – طبقا لبعض التقديرات المعتدلة – إلى حوالي 114 مليار دولار ، وهذا رغم تقلص تدفقات القروض الخارجية من المصارف الدولية ، إلى الدول النامية بعد عام 1982 – نظرا لانفجار أزمة المديونية الخارجية في هذه السنة بعدما أعلنت إحدى كبريات الدول النامية المدينة وهي المكسيك ، عجزها عن تسديد أعباء ديونها الخارجية للمصارف الخاصة ، حيث قامت البنوك الخاصة الدولية بإعادة النظر في سياساتها الائتمانية وأمسكت يدها عن منح قروض جديدة . وكانت ديون المكسيك وحدها تربو على80 مليار دولار في تلك السنة – وهي السنة المعروفة أيضا بالسنة السوداء ، فقد هبطت التجارة الدولية فيها بنسبة تزيد على 6%. لكن المكسيك استأنفت سداد التزاماتها من الفوائد وأقساط القروض في العام التالي مباشرة بعد ترقيع أزمتها مع الأطراف الدائنة ، فقد دفعت فوائد في هذا العام ( 1983 ) من 13- 15مليار دولار .[5]

- وفي عام 1987 دفعت الدول النامية المدينة حوالي 120 مليار دولار لخدمة أعباء ديونها الخارجية منها حوالي 55 مليار دولار فوائد ربوية على هذه الديون ، وهذا – في رأي أحد الاقتصاديين العرب- مبلغ مرعب نظرا للظروف الصعبة لهذه الدول . – ومعنى ذلك أن هذه الفوائد والأعباء في تصاعد خيالي مستمر. وتشير بعض الإحصائيات الصادرة في القرن الماضي إلى أنه خلال ثلاثين سنة مضت على انهيار النظام الاستعماري استطاع الغرب أن ينهب من البلدان النامية خيرات لم تستطع الدول الاستعمارية التقليدية أن تنهبها خلال ثلاثمائة عام .

مضاعفات التحول في مصدر الاستدانة

والواقع أن تحول مصدر الاستدانة من الحكومات الغربية والمنظمات الدولية – كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي – إلى المصارف الدولية الخاصة كان من شأنه – في حد ذاته – رفع أسعار الفائدة بحيث أنه في الفترة فيما بين عامي 1969 و1975 كانت هذه الأسعار تتزايد بمعدل سنوي 24.2% في المتوسط ، فقد كانت الفائدة تحسب على أساس الأجل القصير يضاف إليها علاوة مبنية على تقدير المخاطر . كما ترتب على ذلك التحول التغير في الشروط التي تصاحب – عادة - عملية منح القروض، فالشرط التي بموجبها تقدم المصارف الخاصة قروضها للبلدان النامية ، هي شروط قاسية للغاية ، ومع ذلك فليس باستطاعة هذه البلدان أن لا تقبلها . ذلك أنه في حال رفض حكومات الدول النامية لقروض المصارف الخاصة يلغي البنك الدولي للإنشاء والتعمير مشاركته .

ولم يكن التحول في مصدر الاستدانة من الحكومات والمنظمات الدولية إلى المصارف الدولية الخاصة تحولا طارئا أو عشوائيا بل كان تحولا مدروسا بعناية، فهو مخطط جهنمي مرسوم بدقة يرمي لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية عدة بالنسبة للدول الغربية منها:

1- استثمار فوائض النفط الهائلة التي استحقت للدول المصدرة للنفط – ومنها – بل في مقدمتها – مجموعة الدول الإسلامية – وخاصة بعد ارتفاع أسعار النفط نتيجة لحرب أكتوبر 1973 ، والاستفادة منها الاستفادة القصوى ، من خلال إقراضها للدول النامية الفقيرة غير المنتجة للنفط بأسعار فائدة ربوية مرتفعة .

2- الحد من التخمة المالية التي كانت تعاني منها المصارف الخاصة في ذلك الوقت – نتيجة للسيولة النقدية الهائلة التي نجمت عن الطفرة النفطية في ذلك الوقت وما صاحبها من ذعر في الدوائر الرسمية الغربية – نتيجة لعدم قدرة الأسواق الغربية على استيعاب تلك السيولة الهائلة -

3- دعم القدرة الشرائية للدول النامية لاستيراد متطلباتها الضرورية وغير الضرورية من المواد الصناعية التي تتنجها الدول الغربية ، وسداد ثمنها من تلك القروض ، وبالتالي التخفيف من حدة الركود الاقتصادي الذي كانت تعاني منه تلك الدول الغربية في ذلك الوقت . وذلك ما حدث بالفعل فقد ارتبطت القروض الخارجية بزيادة صادرات الدول الرأسمالية إلى الدول النامية المقترضة، وبذلك نجحت الحكومات الغربية في تخفيف حدة الركود الاقتصادي وتجاوز هذه المشكلة وما صاحبها من بطالة وتضخم.

4- إيجاد حجة قانونية قوية للدول الرأسمالية الغنية للتدخل في الشئون الداخلية للبلدان النامية المدينة – عندما تتعثر عملية سداد فوائد وأقساط القروض المستحقة عليها ، واتخاذ كل الإجراءات التي تكفل عملية السداد ، وعدم التنازل عنها أو إسقاط أي دولار منها أو المساومة عليها ، مهما كانت ظروف الدولة المدينة وبغض النظر عن استفادتها أو عدم استفادتها من هذه القروض . وتلك الحجة هي أن تلك الأقساط والفوائد تمثل حقوقا مالية لمصارف تجارية خاصة، وليست للحكومات الغربية التي ضمنتها علاقة بها ، وبالتالي فهي لا تملك حق التنازل عنها كليا أو جزئيا ، وأن القرار الأول والأخير في هذا الصدد يرجع لتلك المصارف الخاصة ، وبالتالي يكون موقف حكومات الدول الغربية قويا وتكون حجتها دامغة ، كما أنها تستطيع تحقيق أهدافها في الدول المدينة المتعثرة عن السداد بدون أي خسائر أو أعباء مالية ، وهذا بعكس فيما لوكانت القروض حكومية ، فإنها أحيانا قد تخضع للمساومة عليها لإسقاط جزء منها أو تحويل بعضها إلى مساعدات لتحقيق مصالخ أخرى للدول الغربية في الدول النامية المدينة سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم دبلوماسية .

على أن حكومات الدول الغربية ولكي تنأى بنفسها عن التدخل في مثل هذه القضايا بشكل مباشر ، عمدت إلى إسنادها إلى منظمات دولية ، من أهمها صندوق النقد الدولي ، وقد صار الهدف الجوهري لهذا الصندوق تشحيم الطريق أمام حركة تدفق رأس المال الدولي ، وذلك بجانب العديد من النوادي العالمية مثل نادي باريس للمؤسسات الرسمية الدائنة ، ونادي لندن للمؤسسات التجارية الدائنة من البنوك . فعن طريق هذه المؤسسات الدولية يتم إدارة المديونية الخارجية ، ولا يتم الحصول على تسهيلات مالية جديدة إلا بعد الرضوخ لسوط مشروطيتها .

التنمية ومعضلة خدمة الديون الخارجية

كل تلك المدفوعات التي دفعتها الدول النامية الفقيرة من فوائد وأقساط ، والمديونية لا تزال باقية بل وتتصاعد عاما بعد عام ، مع تدهور مستمر في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وانتقالها من سيء إلى أسوأ . وقد بلغت ديون الدول النامية للمصارف الغربية الخاصة في عام 1984 حوالي 828 مليار دولار ، كان نصيب مجموعة الدول الإسلامية منها حوالي 190 بليون دولار أي ما يعادل 23% تقريبا من إجمالي ديون الدول النامية في ذلك العام ، وما لبثت أن تحولت المعادلة لتصبح الدول النامية هي التي تمول الصناعية ، بمعنى أننا إذا أجرينا مقاصة بين ما تأخذه الدول النامية وما تسدده للدول الصناعية من فوائد وأقساط قروض سابقة فإننا نجد أن الصافي 22 مليار دولار لصالح الدول الصناعية عام 1984 ، واستمرت حقبة الثمانينيات – من القرن الماضي – على المنوال نفسه ، وبنا يؤكد على أن الجنوب أصبح يمول الشمال وليسقط الافتراض القديم الذي يقول :" العون يتجه جنوبا " وقد وصل صافي التدفق النقدي المتجه من الجنوب للشمال إلى 53 مليارا عام 1988 وهو العام الذي تخطت فيه مديونية الدول النامية مبلغ الترليون دولار وشهد العام 1989 وصول هذا الدين إلى حوالي 1.2 ترليون دولار ، وهذا الرقم يمثل 44% من مجموع دخولها الوطنية .

وبلغت المديونية الخارجية – للأقطار العربية وحدها – غير العسكرية وغير القصيرة - في نهاية هذا العام ( 1984 ) حوالي 120مليار دولار ، ثم ارتفعت في عام 1986 لتصل إلى أكثر من 154 مليار دولار ، وهو مبلغ ضخم ، وتبدو ضخامته إذا عرفنا أن بعض الأقطار العربية تتناسب قدرتها على الوفاء بالدين تناسبا عكسيا مع عدد سكانها . وتزداد الحيرة إذا حدث اقتراب من منطقة اسمها – القروض العسكرية – فهذه المنطقة يحظر الاقتراب منها ولا يتم الإفصاح بأي بيانات إحصائية حولها – اللهم إلا البيانات الإحصائية التي تفصح عنها الأطراف الدائنة بين فترة وأخرى.

وعندما حل عقد التسعينيات من القرن الماضي كان حجم الدين الخارجي للدول العربية المدينة قد وصل إلى حوالي 200مليار دولار ، وتوقعت مصادر البنك الدولي – طبقا للتقرير المنشور عام 89/1990 أن تستمر أعباء هذه المديونية خلال عقد التسعينيات – من القرن الماضي – بمتوسط سنوي قدره 7.4 مليار دولار وقد وصف هذا المبلغ بإنه " مبلغ لايستهان به ويشكل عبئا ثقيل الوطأة على هذه الأقطار وهو يعني أن مقادير كبيرة من موارد الوطن العربي وممكنات النمو فيه قد أصبحت مرهونة للوفاء بقائمة الدين الخارجي " – وهذا دون أن نضع في الحسبان تداعيات كارثة اجتياح العراق للكويت في أغسطس 1990 وما نجم عنها من مضاعفات اقتصادية وسياسية وعسكرية .

وبلغت مديونية الدول الفقيرة الأقل نموا في هذا العالم الثالث أكثر من 1.4 ترليون دولار في نهاية عام 1991 ... وقد نتج عن هذه الوضعية أن أصبحت هذه الدول المدينة مصدر لرءوس الأموال بعد أن كانت مستقبلة لها ، وهذا التصدير يتم من خلال خدمة الديون المذكورة على شكل دفع وفوائدها أو تسديد الأقساط السنوية لأصل الدين ، ومعظم تلك الأموال تئول لصالح البنوك الرئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان .

والنقطة الأهم – بعد كل ذلك – أن تصاعد أعباء المديونية الخارجية من فوائد وأقساط لا يعني أن عمليات الاقتراض من الخارج قد توقفت ، أو أن تلك الأقساط والفوائد الربوية يتم دفعها من واقع حالة اقتصادية جيدة ، بل العكس هو الصحيح ، فإن سداد تلك الفوائد والأقساط كان يتم – ولا زال – من خلال استنزاف ثروات وموارد وإمكانيات الدول النامية المدينة – بما في ذلك تدمير الغابات – وتهديد مستقبل وحياة الأجيال الجديدة في هذه البلدان من خلال القبول بدفن النفايات في أراضي هذه البلدان ، كما يتم ذلك على حساب عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه البلدان ، والتي تعثرت – نتيجة لذلك – بل أصبحت تسير نحو التدهور التدريجي عاما بعد عام ، وانخفض معدل دخل الفرد ووصلت الأمور ببعض البلدان النامية الفقيرة إلى الاقتراض من جديد لا من أجل إنشاء مشاريع جديدة ، ولكن من أجل سداد الفوائد والأعباء الباهظة المستحقة عليها – نتيجة ديونها السابقة – ، وهذا الأمر ليس بالأمر الهين إذ أنه يرتبط بتقديم سلسلة من التنازلات للدائنين وفي مقدمتهم صندوق النقد الدولي وخاصة بعد عام 1982 وهو العام الذي تحولت فيه أزمة المديونية الخارجية إلى أزمة عالمية .

وخلاصة القول أن: عقد الثمانينيات من القرن الماضي عقدا حرجا للغاية وصل فيه المأزق التنموي في الدول النامية المدينة إلى شدته ، فخلال هذا العقد حدث تباطؤ كبير في النشاط الاقتصادي في الدول الرأسمالية ، وارتفعت أسعار الفائدة العالمية تدريجيا إلى مستويات غير مسبوقة ، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكاليف خدمة الديون ، وبالتالي إلى المزيد من الهبوط في أسعار السلع ، وانعكس ذلك على الجنوب الذي أصبح يدفع أكثر فأكثر مقابل خدمة ديونه في حين أخذ يتسلم أقل فأقل مقابل صادراته من السلع والمواد الأولية . وخلال هذا العقد حدث ارتفاع مستمر في الحجم الأصلي للديون وارتفاع مستمر في حجم الفوائد ، وارتفاع مستمر في عدد دول الجنوب المدينة للشمال . ورغم كل ما كان يدفعه الجنوب من فوائد، فإن الحجم الكلي للديون، لم يعد ينخفض، بل اتضح أن ما دفعه الجنوب في شكل فوائد خلال عقد الثمانينيات – من القرن الماضي – تجاوز بمرات الحجم الأصلي للديون. كما أتضح أن الجنوب قد بلغ خلال هذا العقد طورا أصبح يضطر فيه للاستدانة لمجرد دفع فوائد ديونه السابقة.[6] وقاست البلاد الأشد فقرا من ارتفاع الفوائد على ديونها أكثر مما قاست من ارتفاع أسعار البترول. وضرب التضخم أيضا الدول الآخذة في النمو حيث قامت الدول الأكثر نموا برفع أسعار صادراتها التي تحتاج إليها الدول النامية بشدة [7].



المبحث الثاني
المحق الإلهي للقروض من النواحي الاقتصادية

لقد ترتب على التزايد المستمر لأعباء المديونية الخارجية من فوائد نتائج وخيمة ومصائب عظيمة لحقت الدول النامية المدينة – ومنها مجموعة الدول الإسلامية – ومن ذلك ما يلي:

أولا: التهام الفوائد والأقساط لحصيلة الصادرات

فقد كانت مدفوعات هذه الفوائد والأقساط على الديون الخارجية تستأثر بحصيلة كبيرة من قيمة صادرات الدول النامية المدينة من الخامات – عدا النفط -. وقد قدرت الحصيلة السنوية التي تلتهمها خدمة الدين من فوائد وأقساط، بما يتراوح بين 20.5% و 35.5% من عائدات الصادرات للدول المدينة . وطبقا لبيانات 1984 فإن 30% من حصيلة صادرات البلدان الإسلامية المدينة تُستخدم كمدفوعات فوائد وأقساط على الديون الخارجية ، ولا يمكن اعتبار هذه المعدلات معدلات منضبطة أو مسلم بها ، لكون المنتجات الزراعية والخامات المعدنية والطاقة تشكل 80% من صادرات الدول النامية ، وتتعرض أسعار هذه السلع إلى تقلبات حادة في الأسواق العالمية ، بل إنه في حين كانت أعباء خدمة الدين من فوائد وأقساط تتجه إلى التزايد كانت قيمة الأسعار الحقيقة لصادرات المواد الأولية تتجه نحو التدهور والانخفاض ، وهنا وقعت الدول المدينة في مأزق لا مخرج منه : بين أسعار الفائدة المرتفعة وخدمة الدين الباهظة من جانب ، وانهيار حصيلة صادراتها من جانب آخر. وبالنسبة إلى الدول الأفريقية المدينة لو أنها سددت كل المتوجب عليها في العام 1988 لكانت مضطرة إلى إنفاق 47% من مجمل عائداتها الخارجية ، وهذا أمر مستحيل في نظر الخبراء .

وليس ذلك فحسب ، فقد أصبحت آليات الديون تجبر هذه البلاد على أن تستنزف ثرواتها ومواردها الطبيعية من أجل مزيد من التصدير للحصول على العملات الصعبة اللازمة لدفع الفوائد والأقساط ، وإن دولا كثيرة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية اضطرت أن تقضي على مساحات شاسعة من غاباتها لكي تصدر كميات متزايدة من الخشب لدفع فوائد وأقساط هذه الديون ، وبرغم تزايد القلق العالمي من تفشي عمليات إبادة الغابات إلا أن ذلك لم يؤدِّ حتى الآن إلى وضع حدٍ لهذه الظاهرة الخطيرة ، والتي بدأت بشكل منظم ومتصاعد منذ مطلع السبعينيات واستفحلت مع استفحال خدمات الديون الخارجية ، ومنذ ذلك الحين وحتى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي فقد العالم 200مليون هكتار من الغابات ، ويتم سنويا إبادة 17مليون هكتار آخر من الغابات . والحقيقة أن الغابات، وخاصة الغابات الاستوائية منها، تقع في الدول الفقيرة التي تعاني ظروفا حياتية قاهرة ، تضطرها لاستغلال غاباتها كموارد طبيعية لتحسين دخلها القومي ودفع فوائد ديونها الخارجية المتراكمة ، وذلك من خلال تأجير مساحات شاسعة لشركات صناعة الورق الغربية التي تقوم بدورها باستغلال هذه الغابات استغلالا تجاريا جائرا ، يؤدي إلى إجهادها وفنائها السريع ، وتهديد حياة المخلوقات الحية التي تعيش فيها بالانقراض [1].

ثانيا: ارتفاع نصيب الأجانب في الدخل القومي

وذلك أن أعباء القروض الخارجية من فوائد وأقساط تمثل نسبة مهمة من الناتج القومي الإجمالي بل أن معدل خدمة الدين قد تصل إلى مستوى حرج في بعض الدول الإسلامية، ولاسيما نتيجة عدم نمو حصيلة الصادرات.

ثالثا: تدهور الجدارة الائتمانية في أسواق النقد الدولية

وذلك أن مدفوعات الفوائد والأقساط قد استنزفت الاحتياطيات النقدية من الذهب والعملات الصعبة للدول المدينة ، وزاد الطين بلّة ، تدهور أسعار المواد الأولية والطاقة ، وتقلص صادراتها منها ، نتيجة للركود الصناعي في الشمال . كما أن إجراءات الحمائية خفضت إمكانات تصدير السلع المصنعة إلى الأسواق الغربية . وهكذا نقصت موارد بلدان الجنوب من العملات الصعبة في الوقت الذي بلغت فيه ديونها ذلك الحجم الرهيب[2] . وقد تناقص موارد دول الجنوب من العملات الصعبة مع استمرار خدمة الديون الكبيرة إلى تدهور اقتصادي شامل تحملت المشروعات المملوكة للدولة أثره الفادح في هرم رأس المال الثابت والتشغيل بجزء محدود من الطاقة المركبة بسبب تعذر استيراد مستلزمات الإنتاج ، وقطع الغيار وبدأت خسائر تلك المشروعات في التزايد .

رابعا: عدم القدرة على تمويل الاحتياجات الضرورية

وذلك لعدم وجود التمويل اللازم لاستيراد تلك الحاجات، وذلك نتيجة للأعباء الباهظة والمتزايدة من الفوائد والأقساط على الديون الخارجية ، والتهام هذه الفوائد والأقساط لحصيلة كبيرة من الدخل القومي ، بحيث أن ما يتبقى منه في بعض الدول النامية المدينة ، لم يعد يكفي لتأمين الحد الأدنى للواردات الضرورية ( الاستهلاكية والوسيطة والإنتاجية ) ولإسناد الحاجات الرئيسية مثل الاحتياجات التعليمية ، والصحية ، وهذه المشكلة تتفاقم أكثر فأكثر في حالة عدم نمو صادرات هذه الدول من السلع والخدمات ، وزاد من صعوبة الموقف تدهور أسعار الصرف لهذه البلاد ، وهروب الأموال للخارج وارتفاع معدلات التضخم المحلي وتدهور معدلات النمو الاقتصادي وزيادة جيش العاطلين وانخفاض مستوى المعيشة ، والانتشار الكبير للفقر والإفلاس وتزايد الاضطرابات والقلاقل والتوترات السياسية ، وفقدان عدد منها درجة كبيرة من استقلالية قرارها الاقتصادي لصالح صندوق النقد الدولي.

خامسا: الاضطرار لإعادة جدولة الديون الخارجية

وهذا يتطلب الدخول في مفاوضات مع الدائنين لتأجيل الدفع والحصول على موارد مالية جديدة ، ولن يتأتى ذلك إلا بتقديم سلسلة من التنازلات والرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي ، وهي شروط مجحفة وقاسية ويترتب عليها سلب حرية البلد المدين في رسم سياساته الاقتصادية والاجتماعية ، وهذه الشروط هي – باختصار- زيادة الأسعار ، تخفيض قيمة العملة ، تحرير التجارة الخارجية ، إلغاء الدعم ، تجميد الأجور والرواتب ، تخفيض التوظف الحكومي ، زيادة أسعار الفائدة ، بيع القطاع العام ، زيادة أسعار الطاقة.

ولقد أضاف الصندوق – بعد ذلك – شرطا جديدا، تتضمنه عقود القروض وهو شرط عدم حصول عجز في السداد في سائر الديون الأخرى التي تلتزم بها الدول النامية.[3]

والرضوخ لهذه الشروط يعني إيقاف التنمية وتدهور مستوى المعيشة وخدمات المرافق العامة كالتعليم والصحة والكهرباء والمياه ، مع ارتفاع أسعارها ، ومع فرض المزيد من الرسوم الحكومية والضرائب الفادحة على السكان وكل ذلك من أجل الوفاء بعبء الدين من فوائد وأقساط ، وهكذا يكون الضحية هم الفقراء وذوي الدخول المحدودة .

علما بأن شروط صندوق النقد الدولي تلك، قد جُرّبت في بلدان عديدة فثبت فشلها، ونجم عنها المزيد من الفقر والتضخم والبطالة والغلاء لأنها أساسا تُطبق لصالح الدائنين. كما ثبت أن كثيرا من تقارير مثل هذه المنظمات تفتقر إلى الدقة حيال تقييم الأوضاع الاقتصادية والمالية لبلدان العالم ، وقد عزي سبب الأزمة المالية التي ضربت نمور آسيا في عام 1997 إلى خطأ في تقييم الأوضاع المالية لتلك البلدان من قبل صندوق النقد الدولي ، والذي عض النظر في تقاريره عن عمليات المضاربة والتي تم تمويلها من المصارف، وتغاضى عن الفساد المالي ومنح أفراد الأسر الحاكمة قروضا على سبيل المجاملة وبلا ضمانات .

وتجدر الإشارة إلى أن صندوق النقد الدولي لم يعد له علاقة بعملية الإقراض ، وإنما أصبح يتولى الإدارة العليا للديون ويضمن استمرار وظيفتها الأساسية : أن تكون مصدرا مستمرا لدفع الفوائد ، ولو أدى ذلك إلى اعتصار البلاد المدينة بشتى الطرق ولآخر رمق . وأصبحت سلطته تفوق سلطة الدولة القطرية ، وقد: تعرضت هذه سياسة الصندوق لانتقادات مرة من قادة بلدان عديدة في "العالم الثالث"، كان أفضل تعبير عنها ما قاله رئيس وزراء بيرو عام 1985 حين وصف صندوق النقد الدولي بأنه "ليس سوى مؤسسة سياسية تقوم مقام الاستعمار القديم.. وأن الولايات المتحدة تمكنت بمشاركة الصندوق من تمويل العجز في ميزان مدفوعاتها على حساب بقية دول العالم".[4] ،

سادسا: الاضطرار لتحويل الأصول المالية إلى أصول عينية

وذلك أن أعباء الفوائد والأقساط قد تنمو وتتضاعف فتعجز الدولة المدينة عن سدادها نقدا: فتضطر لتسديدها أموالا غير منقولة من عقارات وأراضٍ ومصانع ، وبذلك تملك الدول الأجنبية الدائنة أملاكا غير منقولة في البلاد المدينة وتصبح لها مصالح تصلح مبررا للتدخل في الشئون الداخلية أو بسط النفوذ السياسي ، هذا إذا لم تتخذ وسيلة للاستعمار والاحتلال العسكري. وقد طرح هذا الاقتراح بعض الخبثاء في عقد الثمانينيات من القرن الماضي كحل لأعباء ديون الدول النامية المزمنة والمتعثرة السداد.وهذا وارد وومكن حدوثه – كما حدث سابقا- فقد اضطر الخديوي إسماعيل تحت ضغط ديونه الخارجية الباهظة أن يبيع حصة مصر في أسهم قناة السويس نظير تسديد جانب من هذه الديون .

المبحث الثالث
مظاهر المحق الإلهي لرأسمال القروض الخارجية

كان شعارات الدول النامية - من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- ومنها مجموعة الدول الإسلامية الفقيرة - أن القروض الخارجية سوف تستخدم لتمويل موازين المدفوعات وسد العجز في الموازنة العامة ، وإقامة هياكل البنية التحتية والمشاريع الصناعية التي من شأنها الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتزيد من الإنتاج والذي من عائداته سوف تسدد ديونها ويبقى لها هامش لتحسين وجه الحياة وتقضي على الفقر والجهل والمرض ، وترفع مستوى السكان اقتصاديا واجتماعيا وتعليميا، مع إعطاء الأولوية للزراعة لتلبية احتياجات السكان وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال إنتاج المواد الغذائية الأساسية أولا ، وتحقيق فائض غذائي يمكن تصديره إلى الخارج حتى تزيد عائداتها من العملة الصعبة .

بيد أن هذه الشعارات لم تُبطقْ على أرض الواقع ، وتم إساءة استخدام المبالغ الطائلة المدخلة من القروض الخارجية أيما إساءة ، وتم تبديدها أيما تبديد والسفح بها يمينا وشمالا من غير تحوط ، وتم إنفاق حصيلة كبيرة منها في مجال الترف والكماليات وفي غير الأغراض المخصصة لها ولكن في أغراض ليس لها علاقة بالتنمية لا من قريب ولا من بعيد ، ولعل هذا كله نتيجة للمحق الإلهي للربا ، والذي من آثاره ما يلي:

أولا: إنفاق حصيلة هامة من القروض في تمويل الاستيراد من الغرب

فقد ارتبطت هذه القروض الخارجية بزيادة واردات الدول النامية المقترضة من المواد المصنعة من الدول الغربية المقرضة، وبخاصة واردات التكنولوجيا الجديدة، وأيضا المواد والمستلزمات المصنعة وشبه المصنعة ، والتي تلبي احتياجات عملية التصنيع ، التي اقتحمتها وخاضت غمارها الكثير من البلدان النامية ، وقد شاب تلك المحاولات الكثير من العشوائية والارتجالية ، والبعد عن التخطيط السليم. كما أن العملية الصناعية كانت مبنية أساسا على الاستيراد من الخارج. ولم يكن التوسع في مجال البنية التحتية وفي المجال العقاري والسكني، بعيدا عن هذه القاعدة ، فقد نجم عن التوسع الاستثماري في هذين المجالين – بدورهما – تزايد وتيرة الاستيراد . وحدث الشيء نفسه بالنسبة للتوسع الاستثماري في مجال الزراعية ، فلكي يتم تطوير القطاع الزراعي توجب أن يتم استيراد كل شيء من الخارج، وتكنولوجيا وأسمدة وبذار وجميع مستلزمات الميكنة الزراعية ، والتي اعتبرت معيار النجاح في محاولات زيادة إنتاج المواد الغذائية ، وفي الوقت الذي تباع فيه السلع المحلية بأسعار منخفضة كانت الواردات للأغراض الزراعية – ولا زالت - تتم بأسعار احتكارية مرتفعة جدا ، وتلتهم حصيلة هامة من القروض ، والتي تذهب للبلدان الغربية التي تستحوذ على حوالي 90% من الإنتاج الصناعي العالمي ، في حين يبلغ نصيب الجنوب بكل طاقاته وموارده وثقله السكاني واتساعه الجغرافي 10% فقط من القيمة الصناعية المضافة في العالم ، وهو ما عبر عنه مسئول رفيع في البنك الدولي والذي قال ما معناه: إن قروضنا لا تتجه إلى الجنوب الفقير ، وإنما تتجه إلى ألمانيا حيث مصانع الآلات الزراعية ، وإلى واشنطن حيث مصانع الطوربيد . فعلى سبيل المثال- صدّرت الولايات المتحدة الأمريكية من أجهزة المعلومات والكمبيوتر والبرامج فقط في سنة 1993 ما قيمته 62 بليون دولار تقريبا ، وأصبحت الكثير من الدول النامية أكثر اعتمادا على الخارج لتلبية الاحتياجات المحلية من الغذاء ، نظرا للانفجار السكاني وتدهور موقع هذه الدول في مجال إنتاج الغذاء تدريجيا عن الحال الذي كانت عليه في الفترات السابقة ، وذلك على الرغم من الاستثمارات الواسعة في مجال الزراعة ، وتنامي حجم الواردات من المعدات اللازمة لتطوير القطاع الزراعي ، فحتى سنة 1970 – على سبيل المثال - كانت هناك أقطار عربية سبعة مازالت تصدر من المنتجات الغذائية أكثر مما تستورد ، أما اليوم فقد أصبح الميزان الغذائي سلبيا في كل الأقطار العربية دون استثناء ، وانخفضت الإنتاجية ، وزادت الهجرة من الريف إلى المدن ، بحيث أن مساهمة القطاع الزراعي- طبقا للتقرير الاقتصادي العربي الموحد - لم تزد على 10% بالمائة من مجمل الدخل القومي خلال الفترة ( 1975 – 1985 ) ، وقد قدرت الواردات الغذائية العربية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بحوالي 25مليار دولار ، وبلغ العجز التجاري في هذا المجال أكثر من 30مليار دولار سنة 1988 . وحسب معطيات منظمة الأغذية والزراعة فإن إنتاج الحبوب في 43 بلدا من البلدان النامية الأكثر فقرا قد انخفض بين 1974 – 1975 بمعدل 2.7طن ، وأصبحت هذه البلدان على حافة الجوع ، وأن هذا المعدل تراجع في 62 بلدا ناميا يشكل سكانها 43% من عدد سكان البلدان النامية ، ولم يعد أمام هذه الدول النامية وتلك سوى اللجوء للاستيراد من الخارج لسد العجز المتفاقم من احتياجاتها الغذائية ، يأتي هذا في وقت أخذت فيه أسعار المواد الغذائية كافة في التصاعد ففي عام 1974 ارتفعت أسعار القمح بمعدل ثلاثة أضعاف بالمقارنة مع العام 1968 ، وارتفعت أسعار الأرز من العام 1972 إلى 1974 بمعدل 3.7مرة ، هذا في منتصف السبعينيات وأما اليوم فأصبحت الصورة أشد وأنكي ، فوصل التدهور في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية إلى أدنى مستوى لها منذ الحرب العالمية الثانية وتوقف النمو الاقتصادي ، في عدد كبير من بلدان العالم الثالث ، وحدث ولا حرج عن أزمة الغذاء في بلدان العالم الثالث ، وعن عجز الدولة عن الاستمرار في تأدية خدماتها تحت وطأة الديون وعذاب برامج الإصلاح ، ووصلت الأمور إلى قمة مأساتها حين تفشى الجوع المفضي إلى الموت ، في كثير من مناطق أفريقيا ، خاصة بعد زيادة عمليات التصحر والجفاف فيها . ومعنى هذا أن القروض الخارجية قد ساهمت في زيادة الاعتماد على الغرب والتبعية له ، بمختلف أشكال وآليات هذه التبعية سواء كانت مالية أم تقانية أم عسكرية أم ، ثقافية– وخاصة بالنسبة للدول الضعيفة أو الضعيفة نسبيا في المجال الدولي ، فالمديونية الكبيرة تؤدي إلى التبعية ، وتاليا إلى خسارة درجة كبيرة من استقلالية قرارها [1]. وهذه القروض - في الوقت نفسه - لم تخدم سوى عملية التنمية والتصدير في الغرب نفسه ، فالمكسيك – على سبيل المثال وهي من كبريات الدول النامية المدينة ، تنفق 2.5مليار بيزو على شراء التكنولوجيا والتصميمات العلمية ، أي أكثر من 5 مرات مما تنفقه على تطوير العلوم لديها أي أنها عمليا تمول الأبحاث العلمية التي تجري في الخارج ، وقد زادت الصادات السلعية في العالم - طبقا للبنك الدولي - إلى ثلاثة أضعافها تقريبا ، في ستة عشر عاما ، وكان للولايات المتحدة واليابان حصتا الأسد منها فمثلان 20% من حجم الصادرات في العالم ، وقد بلغت حجم صادرات كل منهما 575 و 410 مليار دولار على التوالي في عام 1996 .

ثانيا: تبديد جزء من حصيلة القروض في التسلح والحروب

وذلك نتيجة للصراع المحموم بين المعسكرين الشرقي والغربي والذي كانت الدول الفقيرة ساحته الرئيسية، وأيضا نتيجة للتوترات الدولية والإقليمية، والحروب الخارجية والداخلية. وقد استنزف بناء القوات المسلحة في الدول النامية أعباء كثيرة وكبيرة ، وذهبت حصيلة كبيرة من القروض الخارجية في مجال: تمويل استيراد المعدات العسكرية والحربية والذخائر ، وباتت نفقات الدفاع والتسلح تشكل مبلغا سنويا ضخما ، ويمثل هذا المبلغ نسبة مئوية مهمة من الدخل القومي بل وتتصاعد عاما بعد عام ، ففي عام 1960 كانت النفقات السنوية في الدول النامية 4.5% من دخلها القومي ، وازدادت إلى 7.2% في عام 1970، وإلى 13.5% عام 1975، ثم إلى 16.1% عام 1980 ، والحبل على الجرار ، وبعد أن كانت نفقات البلدان النامية على السلاح في عام 1960 حوالي مليار دولار ، فإنها بلغت 19.5مليار دولار في عام 1980 ، وبلغت مشتريات الدول النامية من السلاح - طبقا للإحصائيات – ما قيمته 286 مليار دولار بين عامي 1971 و 1985 ، وهذا الرقم يقترب من ثلث مديونية الدول النامية. أي أنه من بين كل ثلاثة دولارات يقترضها العالم يتجه دولار واحد منها للسلاح والشرق الأوسط هو الزبون رقم ( 1 ) منذ عام 1975 ، حيث يمتص أكثر من نصف المبيعات ، ثم تأتي بعده أفريقيا وفي مقدمتها دول المغرب العربي ، ثم تأتي أمريكا اللاتينية ، ثم آسيا ، وبين عامي 1973 و 1987 جرى احتساب واردات الدول النامية من السلاح بما متوسطه 15 مليار دولار في العام الواحد- دون التكهن بقيمة المستوردات التي لم تنشر أرقامها . كما ذهبت حصيلة من القروض كنفقات على البعثات العسكرية ، وكمرتبات وأجور الخبراء والمستشارين العسكريين الأجانب ، وكتمويل للعمليات العسكرية في الحروب والفتن والقلاقل الداخلية – وهذا فضلا عن القروض العسكرية الطائلة والتي لا يتم الإفصاح عنها لكونها تعتبر من الإسرار لدى أصحاب القرار في هذه الدول . وهذا الإنفاق العسكري المتزايد يأتي على حساب النمو الاقتصادي والإنتاج الزراعي، وهو لا يتجه للتصنيع أو التقنية، بل يتجه في معظم الأحيان لبندين فقط: رواتب العسكر، واستيراد السلاح. ولم يؤد التكديس الهائل للسلاح في البلدان النامية – ومنها مجموعة الدول الإسلامية – إلا إلى مزيد من التبعية التقنية للغرب ، ومضاعفة أرقام الديون الخارجية ، فقد اتضح بجلاء أن فائدته مشكوك فيها لأن حكومات تلك الدول في الإجمال تخوض حروبا غير تلك التي كانت تود خوضها ، كالحروب الأهلية الدامية ، أو الحروب مع جيرانها أو بينها وبين بعضها . بمعنى آخر أن خطر الحروب لم يعد بالضرورة عابرا للحدود السياسية، بل إنها تتم في داخلها..إنها حروب أهلية وطائفية وعرقية، مع تغير في نوعية السلاح المطلوب والرائج، فالحروب الصغيرة قد لا تحتاج الأكثر تقدما في قوة الدمار، لكنها تحتاج السلاح الصغير والمتوسط الذي ينتشر سماسرته في معظم بلدان العالم الثالث.وقد اتضح أن سباق التسلح هو مصدر أرباح مضعفة للاحتكارات الرأسمالية منتجة السلاح. وأشار تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة في عام 1992 أن 38% من الإنفاق الحكومي المركزي للدول النامية يجري تخصيصه للنفقات العسكرية وخدمة الديون، بينما لا تزيد نفقات سائر أوجه الحياة من صحة وتعليم وإسكان، وثقافة وبنية أساسية واستثمارية على 62%. ويزداد الأمر قتامة وسوءا إذا علمنا أن الدول الأكثر فقرا وتخلفا هي الدول الأكثر إنفاقا على الدفاع وخدمة الدين، فتصل هذه النسبة في دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى 35% وفي جنوب آسيا إلى 38% ، وذلك مقابل 21% في الأمريكيتين.وباتت ميزانية الدفاع – وحدها - تلتهم أكثر من ثلث الأنفاق العام في الموازنات الحكومية ، وهذه الميزانية تزيد عن عشرين ضعفا مقارنة بمساعدات التنمية الرسمية ، كما تعتبر ميزانية الدفاع في الوقت نفسه ، عبئا غير قليل بالنسبة لموازين المدفوعات وحصيلة العملة الأجنبية أيضا ، ووفقا للأرقام المتاحة ، فإن 5% من واردات الدول النامية أسلحة ، في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي .

ثالثا: هروب وتهريب مبالغ كبيرة من أموال القروض للخارج

فقد ترافق مع تدفق القروض الخارجية للدول النامية المدينة، تنامي وصعود رءوس الأموال المحلية ، وظهور فوائض مالية كبيرة في أيدي قلة من الناس في كثير من هذه الدول، لا تلبث أن تنزح أو تتسرب إلى خارج البلاد ،هروبا من تدهور أسعار صرف العملات المحلية ، أو للمضاربة بالعملات الصعبة ، أو البحث عن بدائل استثمارية مربحة أو طلبا للأمان من خلال الاحتفاظ بجزءٍ منها كأرصدة في بنوك الغرب. ولم تفلح وصفات صندوق النقد الدولي في إغراء الرأسمالية المحلية بإمكانية التهام مؤسسات القطاع العام، وفضلت الاستثمار في الدول الغربية متحدية كل النظريات الاقتصادية. وساعد تدويل أسواق المال العالمية الرأسمالية في جذب الرأسماليات المحلية تحت مظلتها ، فنشطت استثمارات الجنوب في الشمال على نحو لم يسبق له مثيل .[2]

كان ذلك بالنسبة لهروب رأس المال المحلي ، أما بالنسبة لتهريب أموال القروض للخارج فيتم بتحويل جزءٍ منها على شكل أرصدة لزعماء وسياسي الدول النامية في بنوك سويسرا وبنوك أمريكا ودول أوروبا الغربية ، ليضمنوا مستقبلهم عند إزاحتهم من سدة السلطة في بلدانهم . ففي عام 1983 عندما كانت ديون زائير الخارجية خمسة مليارات دولار ، كانت التقديرات أن الثروة الشخصية للرئيس موبوتو تزيد على أربعة مليارات دولار أغلبها في مصارف سويسرا ، وبجانب ذلك يملك قصرا في فرنسا ، وثانٍ في المغرب وثالث في يوغسلافيا ، .. ويقف على نهر " زائير " قارب خاص فوقه طائرة هيلوكبتر على استعداد لنقله إلى أي مكان إذا قرعت القارعة ، في حين أن متوسط دخل الموظف الزائيري 51 دولارا ، والمستشفيات لا تملك ما تقدمه للمرضى والمدارس معطلة لعدم وجود ميزانية للصرف ولا أجور للمدرسين . علما بأن زائير من أغنى البلاد بالثروات المعدنية ، ويوجد فيها حوالي 43 معدنا أهمها الذهب والنحاس واليورانيوم والماس . وهذا الوضع في زائير ليس سوى صورة للوضع العام القاتم في قارة أفريقيا السوداء ، والتي تعتبر أغنى قارة في العالم بالثروة المعدنية المدفونة في أراضيها ، ومع ذلك فهي أفقر قارة وتبلغ ديونها للعالم الخارجي ، 275 مليار دولار . وكانت نسبتها هي الأعلى في العالم كله من رءوس الأموال الهاربة إلى الخارج ، فقد تراوحت – وفقا لصندوق النقد الدولي " مجلة التمويل والتنمية2001– بين ( 24 ) و ( 143 ) في المائة من الناتج القومي ، وليس فقط رأس المال الأفريقي هو الذي إلى الخارج ، فإن العقول الأفريقية تفعل الشيء نفسه ، ففي أواخر القرن الماضي كان هناك أكثر من ( 30) ألف أفريقي من الحاصلين على الدكتوراه يعملون في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية . وطبقا لبعض التقديرات ، فإن حوالي 200مليار دولار قد هُربت من 18 دولة نامية مدينة - إلى الغرب - بين عامي 1975 و 1985 ، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي ، إلى أن تدفقات رأس المال من البلدان النامية – إلى البلدان الغربية الغنية - في الفترة 1975- 1987 ، بلغت حوالي 300مليار دولار تمثل حوالي ثلث الزيادة في مديونيتها خلال الفترة نفسها . وتؤدي هذه الظاهرة إلى انخفاض موجودات هذه البلدان من العملات الأجنبية مما يدفعها إلى الاستدانة من الخارج أو زيادة مديونيتها تجاهه .

رابعا: إنفاق جزء من حصيلة القروض على مؤسسات عامة فاشلة

كمؤسسات القطاع العام الذي كبدّت عددا كبيرا من الدول النامية مبالغ طائلة ، وتمدد هذا القطاع ليشمل قطاعات وأنشطة كان الأفضل تركها للقطاع الخاص ، وجعل القطاع العام يتخصص بكبرى الصناعات ، والتي لا تعطي أكلها إلا في الأجلين المتوسط والطويل ،

وذلك قبل أن يصبح هذا القطاع عبئا هائلا على اقتصاد هذه الدول وعلى الموازنات العامة ، نظرا لإخفاقه في خدمة المواطنين ، ولفشله الذريع في القيام بالأغراض التي أنشأ من أجلها ، ولتزايد خسائر مؤسساته ، نتيجة للإقبال المتواضع على منتجاتها ، وعدم صلاحيتها للتصدير لرداءتها ، ومن ثم تكدسها في مخازنها ، مما أدى إلى عجزها عن مواجهة نفقاتها وتراكم الديون الطائلة عليها ، وأصبحت بؤر للتسيب والهدر والفساد المالي والإداري والبطالة المقنعة، وبالتالي فقد آل أمر تلك المؤسسات إلى أن تطرح للبيع بالمزاد العلني للتخلص منها وتحويلها إلى مؤسسات خاصة، يساهم رأس المال الأجنبي بنسبة هامه فيها ، وتسريح كثير من العمالة فيها، وهذه هي الخصخصة التي كثر اليوم الحديث حولها ، وهي إحدى الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي على دول العالم الثالث الفقيرة والمثقلة بالديون الخارجية ، لرفع الأعباء المالية التي تفرضها هذه المؤسسات العامة ( الخاسرة ) على حكومات هذه الدول والتي تعاني أغلبها من عجز دائم ، ولتطويع اقتصادياتها من أجل أن يضمن الكبار الحصول بسرعة أكبر على فوائد الديون والمواد الخام ، منها ، لاسيما تلك التي تطلب إعادة جدولة ديونها ، طمعا في الحصول على قروض جديدة ، لتغطية مصادر إنفاق جديدة ، أو للحيلولة دون انفجار أزمة سياسية أو اجتماعية، أو حتى للوفاء بالديون القديمة المتراكمة .

خامسا: صرف جزء من حصيلة القروض في مجالات ترفية وكمالية

كشراء السيارات الفارهة ، والأجهزة والمعدات المكتبية ، والأثاث الفاخرة للصفوة الحاكمة ، في البلدان النامية ، وفي بناء القصور وإنشاء المسابح والحدائق الغناء ، وغير ذلك من النفقات الكمالية .وهناك مبالغ كبيرة منها تم صرفها على انتخابات شكلية والكثير منها مزورة ، وفي مجال شراء الذمم ، وعلى مؤتمرات وبعثات خارجية سياسية وثقافية وعسكرية ، وغير ذلك من المظاهر البراقة .

سادسا: التهام الخبراء الدوليين لجزء هام من حصيلة القروض

هناك قرض خارجية تكون مخصصة لتنفيذ مشاريع معينة في الدول النامية، وفي هذه الحالة لا يمنح القرض إلا بإرسال خبراء دوليين من قبل الجهة المقرضة، للإشراف على التنفيذ – وأغلب هؤلاء الخبراء – إن لم يكن كلهم - من حاملي الجنسية الأمريكية أو الأوروبية ، أصالة أو تجنسا ، وقد يصل مرتب الواحد منهم إلى أكثر 20ألف دولار شهريا ، بالإضافة بدل المواصلات والمنزل اللائق ، والسيارة الفارهة ، وطباخ وخامة أو أكثر وبستاني وحراس ، وكل هؤلاء تنفق عليهم الدولة المقترضة ، وهذا يعني أن هؤلاء الخبراء لا ينفقون شيئا من مرتباتهم ، بل يضيفونها فورا إلى مدخراتهم في بنوك لندن أو نيويورك .