أحمد الظرافي
22-Jan-2008, 09:49 PM
تفنيد بعض التبريرات للفائدة المصرفية
بقلم:أحمد الظرافي
الفائدة – بمعناها النقدي أو الاقتصادي - مصطلح غربي بحت لم يكن معروفا أو متداولا من قبل في العالم الإسلامي وإنما وفد على المجتمعات الإسلامية مع الاستعمار الامبريالي الغربي في العصر الحديث . وفي أوائل القرن الماضي - وعلى خلفية تزايد مناشدات السياسيين المصريين بانشاء بنوك وطنية تحل محل البنوك الأجنبية التي احجمت عن تقديم قروض للمزارعين المصريين قبل الحرب العالمية الأولى - ثار جدل كبير في مصر حول الفائدة المصرفية وموقف الاسلام منها وظل الجدل محتدما حتى منتصف الستينيات حيث أنعقد مؤتمر علماء المسلمين الثاني في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف وذلك في مايو 1965م وفصل القول في هذه المسألة فقد اجمع الحاضرون في هذا المؤتمر والذين كانوا ينتمون إلى مختلف المذاهب الفقهية في العالم الإسلامي على تحريم الفائدة المصرفية ثم تلا ذلك العديد من المؤتمرات الإسلامية في السبعينيات والثمانينيات التي أكدت قرارات مجمع البحوث الإسلامية وصدرت عنها العديد من القرارات والتوصيات .
بيد أنه ورغم الإجماع على تحريم الفائدة المصرفية والمتمثل في قرارات المجامع الفقهية المعتمدة في العالم الإسلامي فهناك العديد من الآراء المطروحة في الساحة الإسلامية والتي تبرر الفائدة المصرفية جزئيا أو كليا ومن زوايا مختلفة وذلك من أجل تبرير عمل المصارف التقليدية وإضفاء المشروعية على نشاطها
وفيما يلي نصنف ثلاثة اتجاهات أساسية لتبرير الفائدة المصرفية
الاتجاه الأول:تبرير الفائدة على اعتبار أنها ليست من ربا الجـاهليـة
هناك اتجاه ينظر للفائدة المصرفية من زاوية كونها تختلف عن الربا الذي كأن شائعا في الجاهلية والذي نص القرآن الكريم على تحريمه وأنذر المتعاملين به بأشد أنواع التهديد والوعيد وفي هذا الصدد هناك عدة تبريرات للفائدة منها:
أولا: الفائدة وربا الأضعاف المضاعفة:
يرى البعض أن الفائدة المصرفية تختلف عن الربا الذي كان معروفا ومتداولا في الجاهلية والذي نص القرآن الكريم على تحريمه وأنذر المتعاملين به بأشد أنواع التهديد والوعيد فربا الجاهلية الذي حرمه القرآن بهو الربا الفاحش أي الربا الذي يزداد أضعافا مضاعفة حتى يصل إلى مثل راس المال أو يزيد عليه وقد حرمه القرآن لما فيه من الظلم الفادح والاستغلال البغيض للمدين وهؤلاء يستندون على الآية الكريمة: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) (1) وبالتالي فقد أجازوا الفائدة القليلة مثل6% و8% لكونها من وجهة نظرهم لا تندرج في إطار ربا الإضعاف المضاعفة المشار أليه في هذه الآية
بيد هذا التبرير قد واجه العديد من الانتقادات من وجوه مختلفة منها:
1- أن الآية التي استند عليها القائلون بهذا الرأي ليست سوى مرحلة من مراحل تحريم الربا في القرآن الكريم أما خاتمة التشريع القرآني في مسالة الربا فيتمثل في قوله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين , فأن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمون) (2) وهذه هي المرحلة الأخيرة مراحل تحريم الربا في القرآن الكريم وقد دلت على التحريم القاطع للربا سواء أكان كثيرا أم قليلا وهي بالتالي المرحلة المعتمدة عند الفقهاء: لأن الذي يعني رجل الفقه في تطبيق الشرائع أنما هو دورها الأخير(3)
2-0أن قوله تعالى( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) ليس معناه النهي عن الأضعاف المضاعفة فتحل النسب الصغيرة وإنما هو تقرير للواقع ووصف لما هو كائن (4) وبالتالي لا دليل في الآية على أن كلمة الأضعاف شرط لابد منه في التحريم
3- أن قواعد اللغة العربية تجعل كلمة "أضعافا" في الآية وصفا للربا لا لرأس المال كما قد يُفهم من تفسير هؤلاء الباحثين ولوكأن الأمر كما زعموا لكان القرآن لا يحرم من الربا إلا ما بلغ ( 600% ) من رأس المال بينما لو طبقنا القاعدة العربية على وجهها لتغير المعنى تغيرا تاما بحيث لو افترضنا ربحا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملا محظورا غير مشروع بمقتضى النص الذي يتمسكون به (5)
ثانيا: الفائدة وربا التأخير
ويرى بعض الباحثين أن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية وحُرم بنص القرآن كأن ربا تأخير إذ أنه كأن يُشَترط مقابل تأخير دين مستحق في الذمة نظرا لعجز المدين عن السداد في ميعاد الاستحقاق ولذلك ورد فيه ما ورد من تهديد ووعيد قي الكتاب والسنة لأنه استغلال لحاجة المدين المعسر بإرغامه بدفع علاوة أو إضافة مقابل ذلك التأخير بدلا من أنظاره لحين ميسرة أو إسعافه بالصدقة أما الفائدة المصرفية فيرون أنها تختلف عن ذلك حيث يتم اشترطُها مقدما ويُنص عليها في عقد القرض ويدفعها المدين طائعا مختارا بدون ضغط أو إكراه وهؤلاء يستندون في تعريف ربا الجاهلية على ما جاء عن بعض السلف في أن ربا الجاهلية هو أن يكون للرجل على الرجل دين إلى اجل فإذا جاء الأجل قال الدائن للمدين إما أن تقضي وأما أن تربي فأن قضاه أخذه وإلا زاد في الحق والأجل
وهذه الصورة لاشك أنها من ربا الجاهلية – يقول الشيخ يوسف القرضاوي _ ولكنها ليست هي الصورة الوحيدة فقد دلت وقائع شتى وأدلة كثيرة على أن الربا قد يُشتَرط من أول الأمر كما كأن يفعل أصحاب القوافل التجارية وقد ذكر الإمام الجصاص في كتابه ( أحكام القرآن ): أن الربا الذي كأن يعرفه العرب ولا يعرفون غيره هو إقراض الدنانير والدراهم بزيادة مشروطة على ما يتراضون به ونحوه قال الطبري والرازي
وأضاف القرضاوي ما خلاصته: أنه لو صح أن ربا الجاهلية محصورا في الصورة التي يذكرونها لكانت الصورة الأخرى أولى بالتحريم فأن الذي لا يقبل التسليف من أول الأمر إلا بالربا يكون أولى بالتحريم (6)
ويؤكد الدكتور محمد عمر شابرا أن ربا النسيئة - وهو الربا الذي كان معروفا في الجاهلية – ينطبق على فائدة القرض: فلفظ النسيئة مشتق من نسأ بمعنى ( اجًل, أخًر , أنظر) وذلك إلى الوقت الذي يسمح فيه المقترض برد القرض مقابل " الإضافة "أو " "العلاوة" المتفق عليها وبهذا ينطبق ربا النسيئة على فائدة القرض وهو المعنى الوارد في قوله تعالى ( واحل الله البيع وحرم الربا) [الآية 275- سورة البقرة](7)
ثالثا: الفائدة والقروض الاستهلاكية
ويرى بعض الباحثين أن الربا الذي كأن شائعا في الجاهلية هو ربا استهلاك وليس ربا استثمار ولذلك فقد حرمه الشرع لما فيه من استغلال لحاجة المحتاج أو الفقير الذي يستدين لسد حاجاته الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس وهذا الوضع -كما يرون – لم يعد قائما في الوقت الحاضر حيث لم يعد الإنسان يقترض لكي يستهلك وإنما أصبح في الوقت الحاضر يقترض لكي يستثمر أو لكي يتوسع في نشاطه ويزيد في أنتاجه وقلما يقترض لأغراض استهلاكية ومادام الأمر كذلك يرى هؤلاء الباحثين إباحة الفائدة على القروض الإنتاجية أو الاستثمارية وحظرها على القروض الاستهلاكية التي لا يربح المقترض منها شيئا
وهذا التبرير مردود عليه من عدة وجوه:
1- أن الربا الذي كأن معروفا في الجاهلية لم يكن ربا استهلاك أنما الشائع في ذلك الزمن هو ربا التجارة الذي كأن يتمثل في القوافل التجارية الشهيرة في رحلتي الشتاء والصيف يعطيهم الناس أموالهم ليستثمرها: إما قراضا ومضاربة (000) وإما قرضا محدد الفائدة مقدما وهو الربا.ومن هذا النوع الأخير كأن ربا العباس بن عبد المطلب والذي أبطله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. وما يتصور دارس منصف أن ابن عبد المطلب الذي كأن يسقي الحجيج في الجاهلية متبرعا من حر ماله يعمل عمل اليهود الجشعين فيقول لمن جاءه يسأل قرضا لطعامه وطعام عياله: لا أعطيك إلا بالربا
ولو كان الربا الذي حرمه الله ورسوله هو ربا الاستهلاك ما كان هناك وجه لأن يلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكل الربا أي الذي يعطي الفائدة -كما يلعن آكل الربا- أي الذي يأخذ الفائدة إذ كيف يلعن من يقترض ليأكل ؟ وقد أباح الله ورسوله أكل الميتة والدم ولحم الخنزير لضرورات المخمصة والجوع كما قال تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا أثم عليه أن الله غفور رحيم) (8)
2- أن هذا الرأي غير قابل للتطبيق في الواقع العملي لأنه لا يمكن التحقق قبل الاستدانة من أن المدين سوف يخصص حتما هذه الدراهم للإنتاج دون غيره وباب الاحتيال كما نعلم في هذا الأمر واسع.(9) وحتى لو استطعنا تمييز القروض الإنتاجية عن القروض الاستهلاكية فأبحنا الفائدة في الأول وحظرناها في الثاني فلا مجال لا خذ الفائدة وذلك أنه: بمجرد عقد للقرض اصبح العمل وراس المال في يد شخص واحد ولم يبقى للمقرض علاقة ما بذلك المال بل صار المقترض هو الذي يتولى تدبيره تحت مسئوليته التامة لربحه أو لخسره حتى أن هلك أو تلف فأنما يهلك أو يتلف على ملكيته فإ ذا أصررنا على إشراك المقرض في الربح الناشئ عنه وجب في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة إذ كل حق يقابله واجب أو كما تقول الحكمة النبوية " الخراج بالضمان " أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك معاندة للطبيعة. (10)
الاتجاه الثأني: تبرير الفائدة بقياس عقد القرض على بعض العقود المباحة
وهناك من يبرر الفائدة على أساس تطبيق عقد القرض على بعض العقود أو المعاملات المباحة كالإجارة والمضاربة وغيرهما
أولا: قياس الفائدة على الإجارة
يرى البعض بأنه يمكن تبرير الفائدة المصرفية باعتبارها أجرة للنقود التي دفعها المقرض للمقترض ومكنه من استعمالها والانتفاع بها وذلك قياسا على أجرة العقارات والمنقولات التي يؤجرها أصحابها ويأخذون أجرة عليها وذلك بغض النظر عن كون هذه الأعيان المؤجرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء أعيانها وكون النقود لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها فهذا عندهم فرق سطحي ولا يمنع من قياس عقد القرض على عقد الإجارة
ومن الملاحظ أن هذا التبرير يقوم على أساس تجاهل العلة بين الأصل وهي الأعيان المؤجرة وبين الفرع وهو النقود وهذا وحده يكفي لابطال هذا الرأي لأن شرط صحة القياس عند الأصوليين والفقهاء هو الاشتراك في العلة وهي تختلف في الأعيان المؤجرة عنها في النقود والتي لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها. هذا من جهة
ومن جهة أخرى فقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز إجارة مالا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه أو جزء منه كإجارة الطعام للأكل أو الصابون للغسل أو الشمع للإضاءة ويدخل في ذلك النقود كونه لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها-كما سبق أن أشرنا إلى ذلك _. ومن قديم أنكر الفلاسفة الربا وجرموه لأنه بمثابة إجارة للنقود وهو إجارة مالا يقبل التأجير. (11)
وإضافة إلى ذلك فأن المستأجر لا يضمن تلف العين المؤجرة إلا إذا أساء استخدامها بعكس المقترض الذي يضمن أي تلف في القرض حتى وأن كأن ذلك خارجا عن إرادته فهو مسئول مسئولية تامة عن إرجاع البدل في نهاية مدة القرض مهما كأنت الظروف والأحوال وبالتالي فليس من العدالة أن يُطلب من المقترض دفع فائدة للمقرض مع مطالبته برد المثل بينما لا يطلب من المستأجر سوى دفع الأجرة
ثانيا: قياس الفائدة على عائد المضاربة
ويقوم البعض بتكييف عمل البنوك التقليدية على أنه من قبيل المضاربة فالمصرف عندما يستقبل أموال المودعين يكون في هذه الحالة مضاربا وهم أصحاب الأموال وعندما يقوم بإعادة إقراض هذه الأموال للجمهور يكون البنك رب المال وهم المضاربون وعلى هذا فأن الفائدة تقاس عند هؤلاء بأرباح المضاربة ومن ثم فلا غبار عليها عندهم.
وتكييف طبيعة عمل المصارف التقليدية على أنه مضاربة شرعية باطل من أساسه. فعقد المضاربة يختلف كليا عن طبيعة عمل هذه المصارف ويكفي الإشارة إلى ما يلي:
1- أن المضارب_ وفقا لعقد المضاربة- أمينا على رأسمال المضاربة وغير ضامن له إلا إذا تعدى أو خالف شروط المضاربة في حين أن المصرف التقليدي ضامن لأموال المودعين بحكم عقد الوديعة وهو عقد قرض شرعا وقانونا بغض النظر عن المسميات وبالتالي فهو ملزم بإعادة الودائع إلى أصحابها سواء ربح منها أم لم يربح وينطبق ذلك على المقترضين لأموال البنك فهم ملزمون بسداد القروض وفوائدها في تواريخ الاستحقاق.
2-أن عقد المضاربة الشرعية يقتضي اشتراك الطرفين (المضارب ورب المال) في الربح أو الخسارة
طبقا للقاعدة الفقهية (الغنُم بالغرم) وهذا ما ليس موجودا في معاملات المصارف التقليدية حيث يتم تحديد الفائدة مقدما ويكون المقترض (المصرف أو الجمهور) ملزما بدفع الفوائد سواء ربح أم خسر وسواء استفاد منها أو لم يستفد.
ومن هنا لا يمكن تبرير الفائدة على أساس أن معاملات البنوك التقليدية تندرج في إطار المضارة الشرعية لأن هذا غير صحيح.
علما بأن ضمان مقدار معلوم من المال لأي من طرفي عقد المضاربة يؤدي إلى فساد هذا العقد ويحيله إلى عقد ربا.
الاتجاه الثالث: تبرير الفائدة باعتبارها تعويض للمقرض
وهناك اتجاه ثالث ينظر للفائدة على أنها مكافأة أو تعويض للمقرض مقابل إقراضه لماله وحرمانه من الاستفادة منه طوال فترة القرض وهذا من الناحية الاقتصادية البحتة وهناك عدة آراء في هذا الصدد منها:
أولا: تبرير الفائدة على أساس المخاطرة
هناك من يبرر الفائدة بوصفها تعبيرا عن عنصر المخاطرة الذي يشتمل عليه القرض لأن في إقراض الدائن لماله نوعا من المخاطرة التي تفقده ماله إذا عجز المدين عن السداد عند حلول أجل الدين ولذا من حقه أن يحصل على أجر ومكافأة له على مخاطرته بماله من أجل المدين وهذه المكافأة هي الفائدة.
ولكن تبريرا لفائدة بعنصر المخاطرة أمر لا يقره الإسلام لأنه لا يعتبر المخاطرة أساسا مشروعا للكسب و إ نما يربط الكسب بالعمل المباشر أو المختزن ونضيف إلى ذلك أن حرمة القمار والكسب الناتج عنه أنما جاءت لأنه يرتكز على أساس المخاطرة وحدها ولا يقوم على أساس عمل من أعمال الانتفاع أو الاستثمار. كذلك فأن الإسلام حرم بيع الغرر لأنه بيع المخاطرة وهو الجهل بالثمن أو المثمن وسلامته أو أجله. والمعروف أن بيوع الغرر هي المعاملات التي تتوقف نتائجها على المستقبل المجهول مثال ذلك بيع الثمار قبل نضجها وبيع حمل الحيوان قبل ولادته وهذا نوع من المغامرة لا تنتهي في الغالب إلا بخلاف بين المتعاملين.
ثانيا:تبرير الفائدة على أساس الفرق بين قيمة السلع في الحاضر وفي المستقبل:
وقد اعتاد بعض الاقتصاديين على تبرير وتفسير الفائدة باعتبار أنها تعبر عن الفرق بين قيمة السلع في الوقت الحاضر وقيمتها في المستقبل وذلك على أساس أن للزمن دورا إيجابيا في تحديد القيمة. فقيمة النقود اليوم اكبر من قيمتها في الغد وهكذا كلما بعد ميعاد الوفاء ازدادت الفائدة التي يستحقها المقرض تبعا لازدياد الفرق بين بين القيمة في الحاضر والقيمة في المستقبل.
ولكن هذا التبرير يقوم على أساس خاطئ وهو ربط توزيع الثروة المنتجة بنظرية القيمة ذلك أن نظرية توزيع ما بعد الأنتاج تكون منفصلة عن نظرية القيمة في الإسلام فالقاعدة الأساسية هي أن العمل سبب لتملك العامل للمادة وليس سببا لقيمتها بل أن قيمة كل مادة هي حصيلة الرغبة الاجتماعية العامة في الحصول عليها.
ومن ناحية أخرى فأن الفائدة وفقا لهذا الرأي الأخير نتيجة لعامل الزمن وحده دون عمل منفق ()
ومن ناحية ثالثة فأن قيمة السلع ليس في ارتفاع مستمر دائما وإنما قد تنخفض بسبب الانكماش والكساد الاقتصادي كما حدث في الأزمة الاقتصادية العالمية في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي التي كاد الكساد الكبير أن يودي بالنظام الرأسمالي وكما حدث في أزمات أخري سابقة أو لاحقة لتلك الأزمة فإذا كأن لابد من تعويض المقرض على زيادة أسعار السلع في المستقبل فأن هذا يقتضي أيضا تعويض المقترض على ما قد يطرأ على قيمة السلع من تناقص في المستقبل فهذا أمر ممكن حدوثه في المستقبل أيضا كما أثبتت التجارب ذلك أما أن يتم تمييز المقرض على حساب المقترض فهذه محاباة تتناقض مع روح العدالة والإنسانية
بقلم:أحمد الظرافي
الفائدة – بمعناها النقدي أو الاقتصادي - مصطلح غربي بحت لم يكن معروفا أو متداولا من قبل في العالم الإسلامي وإنما وفد على المجتمعات الإسلامية مع الاستعمار الامبريالي الغربي في العصر الحديث . وفي أوائل القرن الماضي - وعلى خلفية تزايد مناشدات السياسيين المصريين بانشاء بنوك وطنية تحل محل البنوك الأجنبية التي احجمت عن تقديم قروض للمزارعين المصريين قبل الحرب العالمية الأولى - ثار جدل كبير في مصر حول الفائدة المصرفية وموقف الاسلام منها وظل الجدل محتدما حتى منتصف الستينيات حيث أنعقد مؤتمر علماء المسلمين الثاني في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف وذلك في مايو 1965م وفصل القول في هذه المسألة فقد اجمع الحاضرون في هذا المؤتمر والذين كانوا ينتمون إلى مختلف المذاهب الفقهية في العالم الإسلامي على تحريم الفائدة المصرفية ثم تلا ذلك العديد من المؤتمرات الإسلامية في السبعينيات والثمانينيات التي أكدت قرارات مجمع البحوث الإسلامية وصدرت عنها العديد من القرارات والتوصيات .
بيد أنه ورغم الإجماع على تحريم الفائدة المصرفية والمتمثل في قرارات المجامع الفقهية المعتمدة في العالم الإسلامي فهناك العديد من الآراء المطروحة في الساحة الإسلامية والتي تبرر الفائدة المصرفية جزئيا أو كليا ومن زوايا مختلفة وذلك من أجل تبرير عمل المصارف التقليدية وإضفاء المشروعية على نشاطها
وفيما يلي نصنف ثلاثة اتجاهات أساسية لتبرير الفائدة المصرفية
الاتجاه الأول:تبرير الفائدة على اعتبار أنها ليست من ربا الجـاهليـة
هناك اتجاه ينظر للفائدة المصرفية من زاوية كونها تختلف عن الربا الذي كأن شائعا في الجاهلية والذي نص القرآن الكريم على تحريمه وأنذر المتعاملين به بأشد أنواع التهديد والوعيد وفي هذا الصدد هناك عدة تبريرات للفائدة منها:
أولا: الفائدة وربا الأضعاف المضاعفة:
يرى البعض أن الفائدة المصرفية تختلف عن الربا الذي كان معروفا ومتداولا في الجاهلية والذي نص القرآن الكريم على تحريمه وأنذر المتعاملين به بأشد أنواع التهديد والوعيد فربا الجاهلية الذي حرمه القرآن بهو الربا الفاحش أي الربا الذي يزداد أضعافا مضاعفة حتى يصل إلى مثل راس المال أو يزيد عليه وقد حرمه القرآن لما فيه من الظلم الفادح والاستغلال البغيض للمدين وهؤلاء يستندون على الآية الكريمة: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) (1) وبالتالي فقد أجازوا الفائدة القليلة مثل6% و8% لكونها من وجهة نظرهم لا تندرج في إطار ربا الإضعاف المضاعفة المشار أليه في هذه الآية
بيد هذا التبرير قد واجه العديد من الانتقادات من وجوه مختلفة منها:
1- أن الآية التي استند عليها القائلون بهذا الرأي ليست سوى مرحلة من مراحل تحريم الربا في القرآن الكريم أما خاتمة التشريع القرآني في مسالة الربا فيتمثل في قوله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين , فأن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمون) (2) وهذه هي المرحلة الأخيرة مراحل تحريم الربا في القرآن الكريم وقد دلت على التحريم القاطع للربا سواء أكان كثيرا أم قليلا وهي بالتالي المرحلة المعتمدة عند الفقهاء: لأن الذي يعني رجل الفقه في تطبيق الشرائع أنما هو دورها الأخير(3)
2-0أن قوله تعالى( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) ليس معناه النهي عن الأضعاف المضاعفة فتحل النسب الصغيرة وإنما هو تقرير للواقع ووصف لما هو كائن (4) وبالتالي لا دليل في الآية على أن كلمة الأضعاف شرط لابد منه في التحريم
3- أن قواعد اللغة العربية تجعل كلمة "أضعافا" في الآية وصفا للربا لا لرأس المال كما قد يُفهم من تفسير هؤلاء الباحثين ولوكأن الأمر كما زعموا لكان القرآن لا يحرم من الربا إلا ما بلغ ( 600% ) من رأس المال بينما لو طبقنا القاعدة العربية على وجهها لتغير المعنى تغيرا تاما بحيث لو افترضنا ربحا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملا محظورا غير مشروع بمقتضى النص الذي يتمسكون به (5)
ثانيا: الفائدة وربا التأخير
ويرى بعض الباحثين أن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية وحُرم بنص القرآن كأن ربا تأخير إذ أنه كأن يُشَترط مقابل تأخير دين مستحق في الذمة نظرا لعجز المدين عن السداد في ميعاد الاستحقاق ولذلك ورد فيه ما ورد من تهديد ووعيد قي الكتاب والسنة لأنه استغلال لحاجة المدين المعسر بإرغامه بدفع علاوة أو إضافة مقابل ذلك التأخير بدلا من أنظاره لحين ميسرة أو إسعافه بالصدقة أما الفائدة المصرفية فيرون أنها تختلف عن ذلك حيث يتم اشترطُها مقدما ويُنص عليها في عقد القرض ويدفعها المدين طائعا مختارا بدون ضغط أو إكراه وهؤلاء يستندون في تعريف ربا الجاهلية على ما جاء عن بعض السلف في أن ربا الجاهلية هو أن يكون للرجل على الرجل دين إلى اجل فإذا جاء الأجل قال الدائن للمدين إما أن تقضي وأما أن تربي فأن قضاه أخذه وإلا زاد في الحق والأجل
وهذه الصورة لاشك أنها من ربا الجاهلية – يقول الشيخ يوسف القرضاوي _ ولكنها ليست هي الصورة الوحيدة فقد دلت وقائع شتى وأدلة كثيرة على أن الربا قد يُشتَرط من أول الأمر كما كأن يفعل أصحاب القوافل التجارية وقد ذكر الإمام الجصاص في كتابه ( أحكام القرآن ): أن الربا الذي كأن يعرفه العرب ولا يعرفون غيره هو إقراض الدنانير والدراهم بزيادة مشروطة على ما يتراضون به ونحوه قال الطبري والرازي
وأضاف القرضاوي ما خلاصته: أنه لو صح أن ربا الجاهلية محصورا في الصورة التي يذكرونها لكانت الصورة الأخرى أولى بالتحريم فأن الذي لا يقبل التسليف من أول الأمر إلا بالربا يكون أولى بالتحريم (6)
ويؤكد الدكتور محمد عمر شابرا أن ربا النسيئة - وهو الربا الذي كان معروفا في الجاهلية – ينطبق على فائدة القرض: فلفظ النسيئة مشتق من نسأ بمعنى ( اجًل, أخًر , أنظر) وذلك إلى الوقت الذي يسمح فيه المقترض برد القرض مقابل " الإضافة "أو " "العلاوة" المتفق عليها وبهذا ينطبق ربا النسيئة على فائدة القرض وهو المعنى الوارد في قوله تعالى ( واحل الله البيع وحرم الربا) [الآية 275- سورة البقرة](7)
ثالثا: الفائدة والقروض الاستهلاكية
ويرى بعض الباحثين أن الربا الذي كأن شائعا في الجاهلية هو ربا استهلاك وليس ربا استثمار ولذلك فقد حرمه الشرع لما فيه من استغلال لحاجة المحتاج أو الفقير الذي يستدين لسد حاجاته الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس وهذا الوضع -كما يرون – لم يعد قائما في الوقت الحاضر حيث لم يعد الإنسان يقترض لكي يستهلك وإنما أصبح في الوقت الحاضر يقترض لكي يستثمر أو لكي يتوسع في نشاطه ويزيد في أنتاجه وقلما يقترض لأغراض استهلاكية ومادام الأمر كذلك يرى هؤلاء الباحثين إباحة الفائدة على القروض الإنتاجية أو الاستثمارية وحظرها على القروض الاستهلاكية التي لا يربح المقترض منها شيئا
وهذا التبرير مردود عليه من عدة وجوه:
1- أن الربا الذي كأن معروفا في الجاهلية لم يكن ربا استهلاك أنما الشائع في ذلك الزمن هو ربا التجارة الذي كأن يتمثل في القوافل التجارية الشهيرة في رحلتي الشتاء والصيف يعطيهم الناس أموالهم ليستثمرها: إما قراضا ومضاربة (000) وإما قرضا محدد الفائدة مقدما وهو الربا.ومن هذا النوع الأخير كأن ربا العباس بن عبد المطلب والذي أبطله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. وما يتصور دارس منصف أن ابن عبد المطلب الذي كأن يسقي الحجيج في الجاهلية متبرعا من حر ماله يعمل عمل اليهود الجشعين فيقول لمن جاءه يسأل قرضا لطعامه وطعام عياله: لا أعطيك إلا بالربا
ولو كان الربا الذي حرمه الله ورسوله هو ربا الاستهلاك ما كان هناك وجه لأن يلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكل الربا أي الذي يعطي الفائدة -كما يلعن آكل الربا- أي الذي يأخذ الفائدة إذ كيف يلعن من يقترض ليأكل ؟ وقد أباح الله ورسوله أكل الميتة والدم ولحم الخنزير لضرورات المخمصة والجوع كما قال تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا أثم عليه أن الله غفور رحيم) (8)
2- أن هذا الرأي غير قابل للتطبيق في الواقع العملي لأنه لا يمكن التحقق قبل الاستدانة من أن المدين سوف يخصص حتما هذه الدراهم للإنتاج دون غيره وباب الاحتيال كما نعلم في هذا الأمر واسع.(9) وحتى لو استطعنا تمييز القروض الإنتاجية عن القروض الاستهلاكية فأبحنا الفائدة في الأول وحظرناها في الثاني فلا مجال لا خذ الفائدة وذلك أنه: بمجرد عقد للقرض اصبح العمل وراس المال في يد شخص واحد ولم يبقى للمقرض علاقة ما بذلك المال بل صار المقترض هو الذي يتولى تدبيره تحت مسئوليته التامة لربحه أو لخسره حتى أن هلك أو تلف فأنما يهلك أو يتلف على ملكيته فإ ذا أصررنا على إشراك المقرض في الربح الناشئ عنه وجب في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة إذ كل حق يقابله واجب أو كما تقول الحكمة النبوية " الخراج بالضمان " أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك معاندة للطبيعة. (10)
الاتجاه الثأني: تبرير الفائدة بقياس عقد القرض على بعض العقود المباحة
وهناك من يبرر الفائدة على أساس تطبيق عقد القرض على بعض العقود أو المعاملات المباحة كالإجارة والمضاربة وغيرهما
أولا: قياس الفائدة على الإجارة
يرى البعض بأنه يمكن تبرير الفائدة المصرفية باعتبارها أجرة للنقود التي دفعها المقرض للمقترض ومكنه من استعمالها والانتفاع بها وذلك قياسا على أجرة العقارات والمنقولات التي يؤجرها أصحابها ويأخذون أجرة عليها وذلك بغض النظر عن كون هذه الأعيان المؤجرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء أعيانها وكون النقود لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها فهذا عندهم فرق سطحي ولا يمنع من قياس عقد القرض على عقد الإجارة
ومن الملاحظ أن هذا التبرير يقوم على أساس تجاهل العلة بين الأصل وهي الأعيان المؤجرة وبين الفرع وهو النقود وهذا وحده يكفي لابطال هذا الرأي لأن شرط صحة القياس عند الأصوليين والفقهاء هو الاشتراك في العلة وهي تختلف في الأعيان المؤجرة عنها في النقود والتي لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها. هذا من جهة
ومن جهة أخرى فقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز إجارة مالا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه أو جزء منه كإجارة الطعام للأكل أو الصابون للغسل أو الشمع للإضاءة ويدخل في ذلك النقود كونه لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها-كما سبق أن أشرنا إلى ذلك _. ومن قديم أنكر الفلاسفة الربا وجرموه لأنه بمثابة إجارة للنقود وهو إجارة مالا يقبل التأجير. (11)
وإضافة إلى ذلك فأن المستأجر لا يضمن تلف العين المؤجرة إلا إذا أساء استخدامها بعكس المقترض الذي يضمن أي تلف في القرض حتى وأن كأن ذلك خارجا عن إرادته فهو مسئول مسئولية تامة عن إرجاع البدل في نهاية مدة القرض مهما كأنت الظروف والأحوال وبالتالي فليس من العدالة أن يُطلب من المقترض دفع فائدة للمقرض مع مطالبته برد المثل بينما لا يطلب من المستأجر سوى دفع الأجرة
ثانيا: قياس الفائدة على عائد المضاربة
ويقوم البعض بتكييف عمل البنوك التقليدية على أنه من قبيل المضاربة فالمصرف عندما يستقبل أموال المودعين يكون في هذه الحالة مضاربا وهم أصحاب الأموال وعندما يقوم بإعادة إقراض هذه الأموال للجمهور يكون البنك رب المال وهم المضاربون وعلى هذا فأن الفائدة تقاس عند هؤلاء بأرباح المضاربة ومن ثم فلا غبار عليها عندهم.
وتكييف طبيعة عمل المصارف التقليدية على أنه مضاربة شرعية باطل من أساسه. فعقد المضاربة يختلف كليا عن طبيعة عمل هذه المصارف ويكفي الإشارة إلى ما يلي:
1- أن المضارب_ وفقا لعقد المضاربة- أمينا على رأسمال المضاربة وغير ضامن له إلا إذا تعدى أو خالف شروط المضاربة في حين أن المصرف التقليدي ضامن لأموال المودعين بحكم عقد الوديعة وهو عقد قرض شرعا وقانونا بغض النظر عن المسميات وبالتالي فهو ملزم بإعادة الودائع إلى أصحابها سواء ربح منها أم لم يربح وينطبق ذلك على المقترضين لأموال البنك فهم ملزمون بسداد القروض وفوائدها في تواريخ الاستحقاق.
2-أن عقد المضاربة الشرعية يقتضي اشتراك الطرفين (المضارب ورب المال) في الربح أو الخسارة
طبقا للقاعدة الفقهية (الغنُم بالغرم) وهذا ما ليس موجودا في معاملات المصارف التقليدية حيث يتم تحديد الفائدة مقدما ويكون المقترض (المصرف أو الجمهور) ملزما بدفع الفوائد سواء ربح أم خسر وسواء استفاد منها أو لم يستفد.
ومن هنا لا يمكن تبرير الفائدة على أساس أن معاملات البنوك التقليدية تندرج في إطار المضارة الشرعية لأن هذا غير صحيح.
علما بأن ضمان مقدار معلوم من المال لأي من طرفي عقد المضاربة يؤدي إلى فساد هذا العقد ويحيله إلى عقد ربا.
الاتجاه الثالث: تبرير الفائدة باعتبارها تعويض للمقرض
وهناك اتجاه ثالث ينظر للفائدة على أنها مكافأة أو تعويض للمقرض مقابل إقراضه لماله وحرمانه من الاستفادة منه طوال فترة القرض وهذا من الناحية الاقتصادية البحتة وهناك عدة آراء في هذا الصدد منها:
أولا: تبرير الفائدة على أساس المخاطرة
هناك من يبرر الفائدة بوصفها تعبيرا عن عنصر المخاطرة الذي يشتمل عليه القرض لأن في إقراض الدائن لماله نوعا من المخاطرة التي تفقده ماله إذا عجز المدين عن السداد عند حلول أجل الدين ولذا من حقه أن يحصل على أجر ومكافأة له على مخاطرته بماله من أجل المدين وهذه المكافأة هي الفائدة.
ولكن تبريرا لفائدة بعنصر المخاطرة أمر لا يقره الإسلام لأنه لا يعتبر المخاطرة أساسا مشروعا للكسب و إ نما يربط الكسب بالعمل المباشر أو المختزن ونضيف إلى ذلك أن حرمة القمار والكسب الناتج عنه أنما جاءت لأنه يرتكز على أساس المخاطرة وحدها ولا يقوم على أساس عمل من أعمال الانتفاع أو الاستثمار. كذلك فأن الإسلام حرم بيع الغرر لأنه بيع المخاطرة وهو الجهل بالثمن أو المثمن وسلامته أو أجله. والمعروف أن بيوع الغرر هي المعاملات التي تتوقف نتائجها على المستقبل المجهول مثال ذلك بيع الثمار قبل نضجها وبيع حمل الحيوان قبل ولادته وهذا نوع من المغامرة لا تنتهي في الغالب إلا بخلاف بين المتعاملين.
ثانيا:تبرير الفائدة على أساس الفرق بين قيمة السلع في الحاضر وفي المستقبل:
وقد اعتاد بعض الاقتصاديين على تبرير وتفسير الفائدة باعتبار أنها تعبر عن الفرق بين قيمة السلع في الوقت الحاضر وقيمتها في المستقبل وذلك على أساس أن للزمن دورا إيجابيا في تحديد القيمة. فقيمة النقود اليوم اكبر من قيمتها في الغد وهكذا كلما بعد ميعاد الوفاء ازدادت الفائدة التي يستحقها المقرض تبعا لازدياد الفرق بين بين القيمة في الحاضر والقيمة في المستقبل.
ولكن هذا التبرير يقوم على أساس خاطئ وهو ربط توزيع الثروة المنتجة بنظرية القيمة ذلك أن نظرية توزيع ما بعد الأنتاج تكون منفصلة عن نظرية القيمة في الإسلام فالقاعدة الأساسية هي أن العمل سبب لتملك العامل للمادة وليس سببا لقيمتها بل أن قيمة كل مادة هي حصيلة الرغبة الاجتماعية العامة في الحصول عليها.
ومن ناحية أخرى فأن الفائدة وفقا لهذا الرأي الأخير نتيجة لعامل الزمن وحده دون عمل منفق ()
ومن ناحية ثالثة فأن قيمة السلع ليس في ارتفاع مستمر دائما وإنما قد تنخفض بسبب الانكماش والكساد الاقتصادي كما حدث في الأزمة الاقتصادية العالمية في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي التي كاد الكساد الكبير أن يودي بالنظام الرأسمالي وكما حدث في أزمات أخري سابقة أو لاحقة لتلك الأزمة فإذا كأن لابد من تعويض المقرض على زيادة أسعار السلع في المستقبل فأن هذا يقتضي أيضا تعويض المقترض على ما قد يطرأ على قيمة السلع من تناقص في المستقبل فهذا أمر ممكن حدوثه في المستقبل أيضا كما أثبتت التجارب ذلك أما أن يتم تمييز المقرض على حساب المقترض فهذه محاباة تتناقض مع روح العدالة والإنسانية